فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 424

الْحَرامَ، قِيامًا لِلنَّاسِ، وَالشَّهْرَ الْحَرامَ، وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ. ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ» ..

لقد جعل اللّه هذه الحرمات تشمل الإنسان والطير والحيوان والحشرات بالأمن في البيت الحرام. وفي فترة الإحرام بالنسبة للمحرم حتى وهو لم يبلغ الحرم. كما جعل الأشهر الحرم الأربعة التي لا يجوز فيها القتل ولا القتال وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم رجب .. ولقد ألقى اللّه في قلوب العرب - حتى في جاهليتهم - حرمة هذه الأشهر. فكانوا لا يروعون فيها نفسا، ولا يطلبون فيها دما، ولا يتوقعون فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت مجالا آمنا للسياحة والضرب في الأرض وابتغاء الرزق .. جعلها اللّه كذلك لأنه أراد للكعبة - بيت اللّه الحرام - أن تكون مثابة أمن وسلام. تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع. كذلك جعل الأشهر الحرم لتكون منطقة أمن في الزمان كالكعبة منطقة أمن في المكان. ثم مد رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان، فجعله حقا للهدي - وهو النعم - الذي يطلق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة فلا يمسه أحد في الطريق بسوء. كما جعله لمن يتقلد من شجر الحرم، معلنا احتماءه بالبيت العتيق.

لقد جعل اللّه هذه الحرمات منذ بناء هذا البيت على أيدي إبراهيم وإسماعيل وجعله مثابة للناس وأمنا، حتى لقد امتن اللّه به على المشركين أنفسهم إذ كان بيت اللّه بينهم مثابة لهم وأمنا، والناس من حولهم يتخطفون، وهم فيه وبه آمنون، ثم هم - بعد ذلك - لا يشكرون اللّه ولا يفردونه بالعبادة في بيت التوحيد ويقولون للرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ يدعوهم إلى التوحيد: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا. فحكى اللّه قولهم هذا وجبههم بحقيقة الأمن والمخافة: «وَقالُوا: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا. أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا؟ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» .

وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَا أُحِلَّ لأَحَدٍ فِيهِ الْقَتْلُ غَيْرِي، وَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَمَا أُحِلَّ لِي فِيهِ إِلاَّ سَاعَةٌ مِنَ النَّهَارِ، فَهُوَ حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ، قَالَ: فَقَالَ الْعَبَّاسُ: وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، قَدْ عَلِمَ الَّذِي لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، إِلاَّ الإِِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لِلقُبُورِ وَالْبُيُوتِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:إِلاَّ الإِِذْخِرَ [1] .

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [1/ 682] (2353) وأخرجه البخاري (1587) و (1834) و (3189) ،ومسلم (1353) بنحوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت