فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 424

حديثو عهد بجاهلية وشِرْك، والله يعلمُ من آباؤنا! قال: فسكن غضبه، ونزلت:"يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". [1] .

وقال القرطبي:"وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ وهو قول سعيد بن جبير؛ وقال: ألا ترى أن بعده: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} "

قلت: وفي الصحيح والمسند كفاية. ويحتمل أن تكون الآية نزلت جوابا للجميع، فيكون السؤال قريبا بعضه من بعض. والله أعلم." [2] "

ومجموعة هذه الروايات وغيرها تعطي صورة عن نوع هذه الأسئلة التي نهى اللّه الذين آمنوا أن يسألوها

لقد جاء هذا القرآن لا ليقرر عقيدة فحسب، ولا ليشرع شريعة فحسب. ولكن كذلك ليربي أمة، وينشئ مجتمعا، وليكوّن الأفراد وينشئهم على منهج عقلي وخلقي من صنعه .. وهو هنا يعلمهم أدب السؤال، وحدود البحث، ومنهج المعرفة .. وما دام اللّه - سبحانه - هو الذي ينزل هذه الشريعة، ويخبر بالغيب، فمن الأدب أن يترك العبيد لحكمته تفصيل تلك الشريعة أو إجمالها وأن يتركوا له كذلك كشف هذا الغيب أو ستره.

وأن يقفوا هم في هذه الأمور عند الحدود التي أرادها العليم الخبير. لا ليشددوا على أنفسهم بتنصيص النصوص، والجري وراء الاحتمالات والفروض. كذلك لا يجرون وراء الغيب يحاولون الكشف عما لم يكشف اللّه منه وما هم ببالغيه. واللّه أعلم بطاقة البشر واحتمالهم، فهو يشرع لهم في حدود طاقتهم، ويكشف لهم من الغيب ما تدركه طبيعتهم. وهناك أمور تركها اللّه مجملة أو مجهلة ولا ضير على الناس في تركها هكذا كما أرادها اللّه.

ولكن السؤال - في عهد النبوة وفترة تنزل القرآن - قد يجعل الإجابة عنها متعينة فتسوء بعضهم، وتشق عليهم كلهم وعلى من يجيء بعدهم.

لذلك نهى اللّه الذين آمنوا أن يسألوا عن أشياء يسوؤهم الكشف عنها وأنذرهم بأنهم سيجابون عنها إذا سألوا في فترة الوحي في حياة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وستترتب عليهم تكاليف عفا اللّه عنها فتركها ولم يفرضها: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ .. عَفَا اللَّهُ عَنْها .. » .أي لا تسألوا عن أشياء عفا اللّه عنها وترك فرضها أو تفصيلها ليكون في الإجمال سعة .. كأمره بالحج مثلا .. أو تركه ذكرها أصلا ..

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (11/ 103) (12802) صحيح

(2) - تفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع - (6/ 331)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت