فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 424

الشاهدين الأولين. وأنهما لم يعتديا بتقريرهما هذه الحقيقة. وبذلك تبطل شهادة الأولين، وتنفذ الشهادة الثانية.

ثم يقول النص: إن هذه الإجراءات أضمن في أداء الشهادة بالحق أو الخوف من رد أيمان الشاهدين الأولين، مما يحملهما على تحري الحق. «ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها، أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ» .وينتهي إلى دعوة الجميع إلى تقوى اللّه، ومراقبته وخشيته، والطاعة لأوامره، لأن اللّه لا يهدي من يفسقون عن طريقه، إلى خير ولا إلى هدى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» ..

قال القرطبي في تفسيره عن سبب نزول هذه الآيات الثلاث [1] : « ... ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات الثلاث نزلت بسبب تميم الداري، وعدي بن بدّاء روى البخاري والدار قطني عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عَدِىٌّ وَتَمِيمٌ الدَّارِىُّ يَخْتَلِفَانِ إِلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ مَعَهُمَا فَتًى مِنْ بَنِى سَهْمٍ فَتُوُفِّىَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا فَدَفَعَا بِتَرِكَتِهِ إِلَى أَهْلِهِ وَحَبَسَا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ فَاسْتَحْلَفَهُمَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِيَمِينِهِ مَا كَتَمْتُمَا وَلاَ اطَّلَعْتُمَا ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ عَدِىٍّ وَتَمِيمٍ فَجَاءَ رَجُلاَنِ مِنْ وَرَثَةِ السَّهْمِىِّ فَحَلَفَا إِنَّ هَذَا الْجَامَ لِلسَّهْمِىِّ وَ (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا) وَأَخَذُوا الْجَامَ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. [2]

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ وَعَدِىِّ بْنِ بَدَّاءٍ فَمَاتَ السَّهْمِىُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ فَقَالُوا ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِىٍّ. فَقَامَ رَجُلاَنِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. قَالَ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) [3] .

وواضح أن لطبيعة المجتمع الذي نزلت هذه الأحكام لتنظيمه دخلا في شكل الإجراءات. وربما في طبيعة هذه الإجراءات. فالإشهاد والائتمان على هذا النحو، ثم الحلف باللّه في مجتمع بعد الصلاة. لاستجاشة الوجدان الديني، والتحرج كذلك من الفضيحة في المجتمع عند ظهور الكذب والخيانة .. كلها تشي بسمات مجتمع خاص. تفي بحاجاته وملابساته هذه الإجراءات.

ولقد تملك المجتمعات اليوم وسائل أخرى للإثبات، وأشكالا أخرى من الإجراءات، كالكتابة والتسجيل والإيداع في المصارف .. وما إليها .. ولكن. أو فقد هذا النص قدرته على العمل في المجتمعات البشرية؟

(1) - تفسير القرطبي - دار عالم الكتب، الرياض [6/ 346]

(2) - سنن الدارقطنى- المكنز [10/ 184] (4397) صحيح لغيره -الجام: الكأس =المخوص: عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل

(3) - صحيح البخارى- المكنز [10/ 168] (2780)

الجام: الكأس =المخوص: عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت