فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 424

الضُّعَفَاءَ، وَلَا غَيْرَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَأَنْتُمْ أَعَزُّ نَفَرًا وَأَكْثَرُ نَفِيرًا، وَأَعْظَمُ بَأْسًا، وَإِنِّي مَعَ هَذَا - أَوْ وَالْحَالُ أَنِّي - جَارٌ لَكُمْ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَأَوْهَمَهُمْ أَنَّ اتِّبَاعَهُمْ إِيَّاهُ فِيمَا يَظُنُّونَ أَنَّهَا قُرُبَاتٌ مُجِيرٌ لَهُمْ حَتَّى قَالُوا: اللهُمَّ انْصُرْ أَهْدَى الْفِئَتَيْنِ وَأَفْضَلَ الدِّينَيْنِ اهـ.

فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ أَيْ فَلَمَّا قَرَّبَ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ الْمُقَاتِلَيْنِ مِنَ الْآخَرِ، وَصَارَ بِحَيْثُ يَرَاهُ وَيَعْرِفُ حَالَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يَلْقَاهُ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَيَصْطَلِيَ نَارَ الْقِتَالِ مَعَهُ، نَكَصَ أَيْ: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَتَوَلَّى إِلَى الْوَرَاءِ وَهُوَ جِهَةُ الْعَقِبَيْنِ (أَيْ مُؤَخِّرَيِ الرِّجْلَيْنِ) وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرَائِي التَّلَاقِي، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَفَّ عَنْ تَزْيِينِهِ لَهُمْ وَتَغْرِيرِهِ إِيَّاهُمْ، فَخَرَجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ بِتَشْبِيهِ وَسْوَسَتِهِ بِمَا ذُكِرَ بِحَالِ الْمُقْبِلِ عَلَى الشَّيْءِ، وَتَرْكِهَا بِحَالِ مَنْ يَنْكُصُ عَنْهُ، وَيُوَلِّيهِ دُبُرَهُ ثُمَّ زَادَ عَلَى هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْهُمْ، وَتَرْكِهِ هُمْ وَشَأْنُهُمْ، وَهُوَ: وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ أَيْ: تَبَرَّأَ مِنْهُمْ وَخَافَ عَلَيْهِمْ، وَأَيِسَ مِنْ حَالِهِمْ لَمَّا رَأَى إِمْدَادَ اللهِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَلَائِكَةِ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ كَلَامِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

تَفْسِيرُ الْآيَةِ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَإِغْوَائِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَتَغْرِيرِهِ بِهِمْ قَبْلَ تَقَابُلِ الصُّفُوفِ، وَتَرَائِي الزُّحُوفِ وَبِتَخَلِّيهِ عَنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَخَرَّجَهُ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ بِنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَهُوَ لَا يَخْلُو مِنْ تَكَلُّفٍ فِي الْجُمَلِ الْأَخِيرَةِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ، وَقَالَ مَا قَالَ فِي نَفْسِهِ لَا لَهُمْ، وَمِثْلُ هَذَا الْخِطَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَمَاعِ الْمُخَاطَبِينَ لَهُ حَتَّى فِي خِطَابِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ (59:16) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ سَارَ إِبْلِيسُ بِرَايَتِهِ وَجُنُودِهِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَلْقَى فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ أَحَدًا لَنْ يَغْلِبَكُمْ، وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ. فَلَمَّا الْتَقَوْا، وَنَظَرَ الشَّيْطَانُ إِلَى إِمْدَادِ الْمَلَائِكَةِ: نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ قَالَ: رَجَعَ مُدْبِرًا، وَقَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ - الْآيَةَ. وَمِثْلَهُ قَالَ الْحَسَنُ.

أَقُولُ: مَعْنَى هَذَا أَنَّ جُنْدَ الشَّيْطَانِ الْخَبِيثِ كَانُوا مُنْبَثِّينَ فِي الْمُشْرِكِينَ يُوَسْوِسُونَ لَهُمْ بِمُلَابَسَتِهِمْ لِأَرْوَاحِهِمُ الْخَبِيثَةِ مَا يُغْرِيهِمْ وَيَغُرُّهُمْ، كَمَا كَانَ الْمَلَائِكَةُ مُنْبَثِّينِ فِي الْمُؤْمِنِينَ يُلْهِمُونَهُمْ بِمُلَابَسَتِهِمْ لِأَرْوَاحِهِمُ الطَّيِّبَةِ مَا يُثَبِّتُونَ بِهِ قُلُوبَهُمْ، وَيَزِيدُهُمْ ثِقَةً بِوَعْدِ اللهِ بِنَصْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ (8:12) إِلَخْ. فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ، وَأَوْشَكَ أَنْ يَتَلَاحَمَا فَرَّ الشَّيْطَانُ بِجُنُودِهِ مِنْ بَيْنِ الْمُشْرِكِينَ. لِئَلَّا تَصِلَ إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُلَابِسَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَوِ اجْتَمَعَا لَقَضَى أَقْوَاهُمْ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَضْعَفِهِمَا، فَخَوْفُ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ إِحْرَاقِ الْمَلَائِكَةِ لِجُنُودِهِ لَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ، كَمَا يُقْذَفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت