فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 424

بدينهم، واردين موارد التهلكة بتعرضهم لجحافل المشركين التي يرونها! إن الواقع المادي الظاهر لا يختلف من ناحية مظهره عند القلوب المؤمنة وعند القلوب الخاوية من الإيمان.

ولكن الذي يختلف هو التقدير والتقويم لهذا الواقع المادي الظاهر .. فالقلوب الخاوية تراه ولا ترى شيئا وراءه والقلوب المؤمنة ترى ما وراءه من «الواقع» الحقيقي! الواقع الذي يشمل جميع القوى، ويوازن بينها موازنة صحيحة: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ..

هذا ما تدركه القلوب المؤمنة وتطمئن إليه وما هو محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب حسابه! وهذا ما يرجح الكفة، ويقرر النتيجة، ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل زمان وفي كل مكان.

وقولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض، عن العصبة المسلمة يوم بدر: «غر هؤلاء دينهم» .. هي قولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض كلما رأوا العصبة المسلمة تتعرض لجحافل الطاغوت في عنفوانه وعدتها الأساسية التي تملكها هي هذا الدين وهي هذه العقيدة الدافعة الدافقة وهي الغيرة على ألوهية اللّه وعلى حرمات اللّه وهي التوكل على اللّه والثقة بنصره لأوليائه.

إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت، وفي نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر، وتستخف بالخطر! وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة في اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة، وللأخطار الواضحة .. إنهم هم لا يعرفون مبررا لهذا التهور - كما يسمونه - وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة! .. إنهم يحسبون الحياة كلها - بما فيها الدين والعقيدة - صفقة في سوق التجارة. إن كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى! .. إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان .. إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائما فهي مؤدية إلى إحدى الحسنيين: النصر والغلب، أو الشهادة والجنة .. ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف فهناك اللّه .. وهذا ما لا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض! والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه، وأن ترى بنور اللّه وهداه، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة، وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها اللّه، وأن تلقي بالها دائما إلى تعليم اللّه سبحانه للمؤمنين: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» .... وصدق اللّه العظيم .. [1]

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2066)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت