فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 424

لِلأُمَمِ، وَلاَ سِيَادَةَ إِلاَّ بِالْقُوَّةِ الحَرْبِيَّةِ، وَفِيهِ أَيْضًا خَيْرُهُمْ فِي الدِّينِ لأَنَّهُ لاَ سَعَادَةَ لِمَنْ لَمْ يَنْصُرِ الحَقَّ، وَيُقِمِ العَدْلَ بِاتِّبَاعِ الْهُدَى وَالعَمَلِ بِشَرْعِ اللهِ.

وَقَدْ نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ.} [1]

إنها ثقلة الأرض، ومطامع الأرض، وتصورات الأرض .. ثقلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع .. ثقلة الدعة والراحة والاستقرار .. ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب .. ثقلة اللحم والدم والتراب .. والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه: «اثاقلتم» [2] .وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل! ويلقيها بمعنى ألفاظه: «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» .. وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق.

إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان، وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة وتطلع إلى الخلود الممتد، وخلاص من الفناء المحدود: «أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ؟ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ» .

وما يحجم ذو عقيدة في اللّه عن النفرة للجهاد في سبيله، إلا وفي هذه العقيدة دخل، وفي إيمان صاحبها بها وهن. لذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق» .فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل اللّه خشية الموت أو الفقر، والآجال بيد اللّه، والرزق من عند اللّه. وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.

ومن ثم يتوجه الخطاب إليهم بالتهديد: «إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..

والخطاب لقوم معينين في موقف معين. ولكنه عام في مدلوله لكل ذوي عقيدة في اللّه. والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده، فهو كذلك عذاب الدنيا. عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح، والغلبة عليهم للأعداء، والحرمان من الخيرات واستغلالها للمعادين وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد ويقدمون على مذبح الذل

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 1274،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - هذه قرأة حفص وهي أبلغ تصويرا من القراءات التي ورد فيها: «تثاقلتم» .. (السيد رحمه الله)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت