فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 424

إن أهل المدينة هم الذين تبنوا هذه الدعوة وهذه الحركة، فهم أهلها الأقربون. وهم بها ولها. وهم الذين آووا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وبايعوه وهم الذين باتوا يمثلون القاعدة الصلبة لهذا الدين في مجتمع الجزيرة كله. وكذلك القبائل الضاربة من حول المدينة وقد أسلمت وباتت تؤلف الحزام الخارجي للقاعدة ..

فهؤلاء وهؤلاء ليس لهم أن يتخلفوا عن رسول اللّه، وليس لهم أن يؤثروا أنفسهم على نفسه .. وحين يخرج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في الحر أو البرد. في الشدة أو الرخاء. في اليسر أو العسر. ليواجه تكاليف هذه الدعوة وأعباءها، فإنه لا يحق لأهل المدينة، أصحاب الدعوة، ومن حولهم من الأعراب، وهم قريبون من شخص رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولا عذر لهم في ألا يكونوا قد علموا، أن يشفقوا على أنفسهم مما يحتمله رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -.

من أجل هذه الاعتبارات يهتف بهم أن يتقوا اللّه وأن يكونوا مع الصادقين، الذين لم يتخلفوا، ولم تحدثهم نفوسهم بتخلف، ولم يتزلزل إيمانهم في العسرة ولم يتزعزع .. وهم الصفوة المختارة من السابقين والذين اتبعوهم بإحسان: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» .

ثم يمضي السياق بعد هذا الهتاف مستنكرا مبدأ التخلف عن رسول اللّه: «ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ» .

وفي التعبير تأنيب خفي. فما يؤنب أحد يصاحب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بأوجع من أن يقال عنه: إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول اللّه، وهو معه، وهو صاحبه! وإنها لإشارة تلحق أصحاب هذه الدعوة في كل جيل. فما كان لمؤمن أن يرغب بنفسه عن مثل ما تعرضت له نفس رسول اللّه في سبيل هذه الدعوة وهو يزعم أنه صاحب دعوة وأنه يتأسى فيها برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -!

إنه الواجب الذي يوجبه الحياء من رسول اللّه - فضلا على الأمر الصادر من اللّه - ومع هذا فالجزاء عليه ما أسخاه!

«ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً، وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ»

إنه على الظمأ جزاء، وعلى النصب جزاء، وعلى الجوع جزاء. وعلى كل موطئ قدم يغيظ الكفار جزاء. وعلى كل نيل من العدو جزاء. يكتب به للمجاهد عمل صالح، ويحسب به من المحسنين الذين لا يضيع لهم اللّه أجرا.

وإنه على النفقة الصغيرة والكبيرة أجر. وعلى الخطوات لقطع الوادي أجر .. أجر كأحسن ما يعمل المجاهد في الحياة. ألا واللّه، إن اللّه ليجزل لنا العطاء. وإنها واللّه للسماحة في الأجر والسخاء. وإنه لمما يخجل أن يكون ذلك كله على أقل مما احتمله رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من الشدة واللأواء. في سبيل هذه الدعوة التي نحن فيها خلفاء، وعليها بعده أمناء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت