نزلت في أبي بكر - رضي اللّه عنه - بعد نزول القرآن ببراءة الصديقة. وقد عرف أن مسطح بن أثاثة كان ممن خاضوا فيه. وهو قريبه. وهو من فقراء المهاجرين. وكان أبو بكر - رضي اللّه عنه - ينفق عليه. فآلى على نفسه لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: وَلَا يَأْتَلِ يَعْنِي: وَلَا يَحْلِفْ، أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ يَعْنِي: فِي الْغِنَى، وَالسَّعَةِ فِي الرِّزْقِ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا يَعْنِي: وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ مِسْطَحٍ، أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى مِسْطَحَ بْنَ أُثَاثَةَ فَإِنَّهُ قَرَابَةُ أَبِي بَكْرٍ ابْنُ خَالَتِهِ، لِأَنَّ مِسْطَحًا كَانَ فَقِيرًا، وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، أَلَا تُحِبُّونَ يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ، أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَعْنِي: غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِأَبِي بَكْرٍ:"أَمَا تُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكَ؟"،قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"فَاعْفُ وَاصْفَحْ"،قَالَ: قَدْ عَفَوْتُ وَصَفَحْتُ لَا أَمْنَعُهُ مَعْرُوفًا بَعْدَ الْيَوْمِ" [1] ."
نزلت هذه الآية تذكر أبا بكر، وتذكر المؤمنين، بأنهم هم يخطئون ثم يحبون من اللّه أن يغفر لهم.
فليأخذوا أنفسهم - بعضهم مع بعض - بهذا الذي يحبونه، ولا يحلفوا أن يمنعوا البر عن مستحقيه، إن كانوا قد أخطأوا وأساءوا .. وهنا نطلع على أفق عال من آفاق النفوس الزكية، التي تطهرت بنور اللّه. أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - أبي بكر الذي مسه حديث الإفك في أعماق قلبه، والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه. فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو وما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي: «أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؟» حتى يرتفع على الآلام، ويرتفع على مشاعر الإنسان، ويرتفع على منطق البيئة.
وحتى تشف روحه وترف وتشرق بنور اللّه. فإذا هو يلبي داعي اللّه في طمأنينة وصدق يقول: بلى واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي. ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، ويحلف: واللّه لا أنزعها منه أبدا. ذلك في مقابل ما حلف: واللّه لا أنفعه بنافعة أبدا.
بذلك يمسح اللّه على آلام ذلك القلب الكبير، ويغسله من أوضار المعركة، ليبقى أبدا نظيفا طاهرا زكيا مشرقا بالنور .. [2]
(1) - الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ لِلطَّبَرَانِيِّ >> (17942) صحيح مرسل
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3231)