فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 424

لِلتَّقْوَى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:3] فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ. وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [الحجرات:4] فَهُمْ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ كَانُوا يُنَادُونَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ يَا مُحَمَّدُ أَلَّا تَخْرُجُ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات:5] وَكَانَ فِيهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا التَّفْسِيرَ: عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ أبسطَ مِنْ هَذَا، وَبِمَعْنَاهُ ذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَتَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصديق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فقَالَ:"وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أُكَلِّمُكَ إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ حَتَّى أَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ" [1]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات:2] ،قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:"لَا أُكَلِّمُكَ إِلَّا كَأَخِي السِّرَارِ حَتَّى أَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ"وَرُوِّينَا عَنِ ابن الزُّبَيْرِ قَالَ:"كَانَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا حَدَّثَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ لَا يَسْمَعُهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ" [2]

وروى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} ،إِلَى قَوْلِهِ {وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} ،وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا، فَتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا لَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَوْا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: لاَ، بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ أَنَسٌ: وَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِينَا بَعْضُ الاِنْكِشَافِ، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعَوِّدُونَ أَقْرَانَكُمْ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. [3] .

فهكذا ارتعشت قلوبهم وارتجفت تحت وقع ذلك النداء الحبيب، وذلك التحذير الرعيب وهكذا تأدبوا في حضرة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون. ولو كانوا يشعرون لتداركوا أمرهم! ولكن هذا المنزلق الخافي عليهم كان أخوف عليهم، فخافوه واتقوه!

ونوه اللّه بتقواهم، وغضهم أصواتهم عند رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في تعبير عجيب:

«إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» ..

(1) - شعب الإيمان [3/ 99] (1430) صحيح مرسل

(2) - شعب الإيمان [3/ 101] (1431) صحيح لغيره

(3) - مسند أحمد (عالم الكتب) [4/ 354] (12399) 12426 صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت