الريب والشكوك، والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع. وما أروح الحياة في مجتمع بريء من الظنون! ولكن الأمر لا يقف في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب. بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل، وسياجا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف، فلا يؤخذون بظنة، ولا يحاكمون بريبة ولا يصبح الظن أساسا لمحاكمتهم. بل لا يصح أن يكون أساسا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم. عَنْ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"ثَلَاثٌ لَازِمَاتٌ لِأُمَّتِي الطِّيَرَةُ، وَالْحَسَدُ، وَسُوءُ الظَّنِّ"فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَا يُذْهِبُهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّنْ كُنَّ فِيهِ؟ قَالَ:"إِذَا حَسَدْتَ فَاسْتَغْفِرْ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَحَقَّقْ، وَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَأَمْضِهِ" [1] ..
وعَنِ الْأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَخْطُبَنَّ رَجُلٌ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتِرَكَ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَهَا وَخَالَتِهَا وَلَا تَصُومُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمَا تَصَدَّقَتْ بِهِ مِمَّا يَكْتَسِبُ عَلَيْهَا فَإِنَّ لَهُ نِصْفَ أُجْرَةٍ وَلَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ إِنَاءَ صَاحِبَتِهَا لِتُنْكَحَ؛ فَإِنَّمَا شَاءَ مَا قُدِّرَ لَهَا" [2] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ:"مِنْ أَسْوَإِ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ؛ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ"وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا" [3]
ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء، مصونة حقوقهم، وحرياتهم، واعتبارهم. حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه. ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم! فأي مدى من صيانة كرامة الناس وحرياتهم وحقوقهم واعتبارهم ينتهي إليه هذا النص! وأين أقصى ما تتعاجب به أحسن البلاد ديمقراطية وحرية وصيانة لحقوق الإنسان فيها من هذا المدى الذي هتف به القرآن الكريم للذين آمنوا، وقام عليه المجتمع الإسلامي فعلا، وحققه في واقع الحياة، بعد أن حققه في واقع الضمير؟
ثم يستطرد في ضمانات المجتمع إلى مبدأ آخر يتصل باجتناب الظنون: «وَلا تَجَسَّسُوا» ..
(1) - الْآحَادُ وَالْمَثَانِي لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ (1733) حسن لغيره
الطيرة: التشاؤم بالطير، فقد كان أحدهم إذا كان له أمر فرأى طيرا طار يمنة استبشر واستمر بأمره، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وتطلق على التشاؤم مطلقا
(2) - شعب الإيمان [13/ 477] (10641) و صحيح البخارى- المكنز [17/ 210] (5143) وصحيح مسلم- المكنز [16/ 413] (6701) زيادة مني
(3) - شعب الإيمان [13/ 477] (10642) صحيح زيادة مني