فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 424

اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَى قَوْلِهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ:"لَا أَزَالُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَمُوتَ فَقُتِلَ شَهِيدًا [1] ". [2]

وروى ابن أبي حاتم [3] عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِيلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ ثَلاثُمِائَةِ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ:"أَنْتُمْ قُرَّاءُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَخِيَارُهُمْ"،قَالَ:"كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ، فَأَنْسَيْنَاهَا، غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ"،فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"قَوْلُهُ تَعَالَى:"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ" [4] .والراجح من سياق الآيات وذكر القتال أن مناسبة النزول هي التي عليها الجمهور وهي اختيار ابن جرير.

ولكن النصوص القرآنية دائما أبعد مدى من الحوادث المفردة التي تنزل الآيات لمواجهتها، وأشمل لحالات كثيرة غير الحالة التي نزلت بسببها. ومن ثم فإننا نسير مع هذه النصوص إلى مدلولاتها العامة، مع اعتبار الحادث الذي تذكره روايات النزول.

إنها تبدأ بعتاب على حادث وقع أو حوادث: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ؟» .

وتثني باستنكار لهذا الفعل وهذا الخلق في صيغة تضخم هذا الاستنكار: «كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ؟» .. والمقت الذي يكبر «عِنْدَ اللَّهِ» .. هو أكبر المقت وأشد البغض وأنكر النكر .. وهذا غاية التفظيع لأمر، وبخاصة في ضمير المؤمن، الذي ينادى بإيمانه، والذي يناديه ربه الذي آمن به.

والآية الثالثة تشير إلى الموضوع المباشر الذي قالوا فيه ما لم يفعلوا .. وهو الجهاد .. وتقرر ما يحبه اللّه فيه ويرضاه: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ» ..

فليس هو مجرد القتال. ولكنه هو القتال في سبيله. والقتال في تضامن مع الجماعة المسلمة داخل الصف.

والقتال في ثبات وصمود «صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ» ..

إن القرآن - كما قلنا في مناسبات متعددة في هذا الجزء - كان يبني أمة. كان يبنيها لتقوم على أمانة دينه في الأرض، ومنهجه في الحياة، ونظامه في الناس. ولم يكن بد أن يبني نفوسها أفرادا ويبنيها جماعة، ويبنيها عملا واقعا .. كلها في آن واحد .. فالمسلم لا يبنى فردا إلا في جماعة. ولا يتصور الإسلام قائما إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط، وذات نظام، وذات هدف جماعي منوط في الوقت ذاته بكل فرد فيها. هو إقامة هذا المنهج الإلهي في الضمير وفي العمل مع إقامته في الأرض. وهو لا يقوم في الأرض إلا في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج الإلهي.

(1) - تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ (1803) صحيح مرسل

(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8/ 107]

(3) - تفسير ابن أبي حاتم [12/ 307] حسن

(4) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [8/ 106]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت