فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 424

وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:"خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: أَلا إِنَّ كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ عَنْكُمْ كُلَّهُ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، وَأَوَّلُ رِبًا مَوْضُوعٍ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، مَوْضُوعٌ كُلُّهُ" [1] ..

ولم يأمرهم برد الزيادات التي سبق لهم أخذها في حال الجاهلية [2] .

فالإمام مكلف - حين يقوم المجتمع الإسلامي - أن يحارب الذين يصرون على قاعدة النظام الربوي، ويعتون عن أمر اللّه، ولو أعلنوا أنهم مسلمون. كما حارب أبو بكر - رضي اللّه عنه - مانعي الزكاة، مع شهادتهم أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه، وإقامتهم للصلاة. فليس مسلما من يأبى طاعة شريعة اللّه، ولا ينفذها في واقع الحياة! على أن الإيذان بالحرب من اللّه ورسوله أعم من القتال بالسيف والمدفع من الإمام. فهذه الحرب معلنة - كما قال أصدق القائلين - على كل مجتمع يجعل الربا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي. هذه الحرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة. وهي حرب على الأعصاب والقلوب. وحرب على البركة والرخاء. وحرب على السعادة والطمأنينة .. حرب يسلط اللّه فيها بعض العصاة لنظامه ومنهجه على بعض. حرب المطاردة والمشاكسة.

حرب الغبن والظلم. حرب القلق والخوف .. وأخيرا حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول. الحرب الساحقة الماحقة التي تقوم وتنشأ من جراء النظام الربوي المقيت. فالمرابون أصحاب رؤوس الأموال العالمية هم الذين يوقدون هذه الحروب مباشرة أو عن طريق غير مباشر. وهم يلقون شباكهم فتقع فيها الشركات والصناعات. ثم تقع فيها الشعوب والحكومات. ثم يتزاحمون على الفرائس فتقوم الحرب! أو يزحفون وراء أموالهم بقوة حكوماتهم وجيوشها فتقوم الحرب! أو يثقل عبء الضرائب والتكاليف لسداد فوائد ديونهم، فيعم الفقر والسخط بين الكادحين والمنتجين، فيفتحون قلوبهم للدعوات الهدامة فتقوم الحرب! وأيسر ما يقع - إن لم يقع هذا كله - هو خراب النفوس، وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات، وتحطم الكيان البشري من أساسه، وتدميره بما لا تبلغه أفظع الحروب الذرية الرعيبة! إنها الحرب المشبوبة دائما. وقد أعلنها اللّه على المتعاملين بالربا .. وهي مسعرة الآن تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة وهي غافلة تحسب أنها تكسب وتتقدم كلما رأت تلال الإنتاج المادي الذي تخرجه المصانع .. وكانت هذه التلال حرية بأن تسعد البشر لو أنها نشأت من منبت زكي طاهر ولكنها - وهي تخرج من منبع الربا الملوث - لا تمثل سوى ركام يخنق أنفاس البشرية، ويسحقها سحقا في حين تجلس فوقه شرذمة المرابين العالميين، لا تحس آلام البشرية المسحوقة تحت هذا الركام الملعون! لقد دعا الإسلام الجماعة المسلمة الأولى، ولا يزال يدعو البشرية كلها إلى المشرع الطاهر النظيف، وإلى التوبة من الإثم والخطيئة والمنهج الوبيء: «وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ. لا تَظْلِمُونَ وَلا

(1) - تفسير ابن أبي حاتم [2/ 353] (2972) صحيح

(2) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [1/ 709]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت