لتوفيتهما في التعبير عن غرضهما، أو مفهومهما الأصلي. ويؤكد ذلك ما علق به أبن قتيبة على ما أورده من أمثلة في هذا الضرب. وهي قول القائل في بعض بني أمية [1] :
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرينه شمم
يغضى حياءًا ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
فيعلق عليه: لم يقل في الهيبة شيء أحسن منه [2] .
أي لم ينظم في معنى (الهيبة) دون أن يفسرها لشيوخ معناها أحسن من هذه الأبيات لمطابقة الوصف لهذه المفردة ومعناها. وقد تمثل ذلك في البيت الثاني. بالغض حياءً وتأدبًا، والتحسب لهيبة الممحدوح بخصوصيته في التكليم في حال معينة تناسب ومنزلته المعروفة.
كذلك يمثل بقول أبي ذؤيب [3] :
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
ويعلق عليه: هذا أبدع بيت قالته العرب [4] . لأن مبدأ الطمع يطلب الزيادة لما ترغبه النفس معروف، والقناعة والرضا بالقليل مبدأ معروف أيضًا وملموس واقعًا، فجاء تعليقه هذا من ترسخ الفكرة واستعمالها المعروف في بيت شعري عبر عن هذه الحقيقة العامة.
ومن الجدير بالذكر أن معظم النقد المعنوي نقد بلاغي يسعى إلى تمكين المعنى في كل حالة من حالات استعماله، لذلك نلحظ أن نقد المعنى كان من منظار بلاغي سَخَّر جميع العناصر اللغوية لخدمة المعنى، حتى إن نقدهم لجوانب أخرى كانت تصب في رافد المعنى. والبلاغة نفسها سميت كذلك (( لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه ) ) [5] وهي في معناها الاصطلاحي أيضًا (( كل ما تبلغ به
(1) الأبيات للحزين الكنائي (4: 167 - 169) من شرح التبريزي.
(2) الشعر والشعراء: 64.
(3) المفضليات: 422.
(4) الشعر والشعراء: 64.
(5) الصناعيين: 12.