أحب واثر من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة )) [1] .
وهو يماثل قول الجاحظ: (( المعاني مطروحة في الطريق ... ) ) [2] .
وهذا المفهوم لدى النقاد يستند إلى حقيقة لغوية هي أن المعاني العامة للدلالة المركزية ليست من عند الشاعر، بل هي أصل موجود في اللغة قبله وليس له يد في وضعها ذلك أن اللغة بمفرداتها ومعانيها (( تركيب مبني على الإجماع ونسيج تربطه مجموعة هائلة من الاتفاقات التاريخية والاجتماعية ) ) [3] بمعنى أن هذه المعاني ارتبطت بوعي جماعي وأصبحت تجسد شيئًا حقيقيًا حتى كأن (( ارتباط الكلمات بمعانيها ارتباطًا فطريًا بمدلولاتها ذات الفهم الأولي أكثر من كونها رموزًا اعتباطية ) ) [4] . وهذا ما جعل النقاد يفتحون مجال المعاني واسعًا أمام الأدباء ولاسيما في الدلالة المركزية.
وأما الآمدي (370هـ) فمن خلال عرضه للمذهب الفني في موازنته بين البحتري وأبي تمام نراه يتابع الجاحظ وقدامة في تجسد الدلالات المركزية بما معروف من المعاني العامة لدى العرب، وأنها تكون معاني موجودة في كل لغة لأن هذه المعاني من الأمور المشتركة بين أفراد تلك المجموعة. إذ يقول: (( ودقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة ) ) [5] . وما أشبه هذا بقول الجاحظ: (( إن المعاني مطروحة ) )وقول قدامة: (( أن المعاني كلها معرضة ... ) ).
والسبب في متابعة الجاحظ هو أن أبعاد اللغة المهمة هي تلك الدلالات المركزية التي تحمل طابعًا اجتماعيًا وتؤمن وظيفة الاتصال والتفاهم، (( فعلاقة الكلمة فيها بالشيء من الوضوح بمكان بحيث كان من إمكان أحدهما أن تكون بديلًا عن الأخرى وكان ممكنًا اعتبار ترتيب الكلمات معادلًا لترتيب الأشياء ) ) [6] .
(1) نقد الشعر: 11.
(2) الحيوان: 3/ 131.
(3) اللغة في الأدب الحديث: 25.
(4) ينظر: اللغة في الأدب الحديث: 68.
(5) الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري: 2/ 400. وينظر الدلالات اللغوية عند العرب: 67.
(6) اللغة في الأدب الحديث: 30.