الصفحة 149 من 384

جعلها مثالًا معروفًا متكرر الاستعمال. ولفظ (( فرط ) )هنا يشير إلى أنها أصبحت تمثل (( لغة مألوفة تقليدية تناسب ذات الواقع الفكري السائد ) ) [1] .

ثم يتحدث العسكري عن الدلالة المركزية من باب (تداول المعاني) مؤكدًا ما ذكره في النص السابق. قائلًا: (( ليس لأحد من أصناف القائلين غنىً عن تناول المعاني ممن تقدمهم، والصب على قوالب من سبقهم -على أن يكسوها ألفاظًا من عندهم، وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم ) ) [2] .

ويمثل لتلك المعاني بما تداوله الشعراء من مشهورها كما فعل النابغة فإنه أخذ قول وهب بن الحارث بن زهرة:

تبدو كواكبه والشمس طالعة ... تجري على الكاس منه الصاب [3] والمقر

وقال النابغة [4] :

تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام

ومعاني المفردات واضحة ومعروفة في حيز التشبيه ولا تحتاج إلى تفسير لبيان مقصدها. فالشمس لنورها الساطع يشبه بها في الجمال والهيبة.

ومن الزيادة في المعنى ما مثل له العسكري في الصناعتين [5] قال: (( وممن أخذ المعنى فزاد على السابق إليه زيادة حسنة أبو نؤاس في قوله:

يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب

أخذه من قول الأسود بن يعفر:

يسعى بها ذو تومتين كأنما ... قنأت أنامله من الفرصاد [6]

إذ جعل أبو نؤاس الدر قاصدًا به الدمع يتساقط من النرجس أي العين وهذه زيادته في الشطر الأول، وجعله يلطم الورد أي الخد بالعناب نبات أحمر واصفًا به أصابع الحبيب وزيادته جعل الخد وردًا (1) .

(1) ينظر: اللغة في الأدب الحديث: 112.

(2) الصناعتين: 203.

(3) الصاب: شبيه بالصبر.

(4) ديوان النابغة: 70.

(5) الصناعتين: 207.

(6) التومتان، مثنى تومة، وهي الحبة من الدر، والفرصاد: الجمرة. الصناعتين: 207 - 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت