قال أبو هلال أيضًا: (( أنشدت الصاحب إسماعيل بن عباد:
*كانت سراة الناس تحت أظلله*
فسبقني وقال: *فغدت سراة الناس فوق سراته*
وكذلك كنت قلت )) [1] . ويعزو ذلك إلى أن تناولهما كان للدلالة المركزية، أو المعاني المعروفة نفسها لوجودهما في بيئة واحدة. ومرورهما بالموقف المتشابه فاستعانا بالمعنى المتداول. قال في ذلك: (( وإذا كان القوم في قبيلة واحدة، وفي أرض واحدة، فإن خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة ) ) [2] . وهو ما يعرف بـ (توارد الخواطر) .
وفي نص آخر للعسكري نراه يتابع من سبقه من النقاد في الإشارة إلى المعاني المركزية وكونها معروفة لدى جميع المستويات العقلية لأنها مادة تعبيرهم وتواصلهم اليومي إذ يقول: (( إن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، ... وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابًا ) ) [3] .
ولأن الدلالة المركزية من إنتاج العقل ومبنية على الاتفاق ظلت هذه المعاني مع عمومها محددة المفاهيم سهلة الانتقال من جيل إلى آخر.
ومن الجدير بالذكر ونتيجة لما سبق لدى النقاد العرب فإن اللغة بألفاظها ومعانيها تبدأ ظاهرة اجتماعية موحدة لمجتمع معين و (( يمكن عن طريق دراسة النماذج الكلامية الصادرة عن أفراد ذلك المجتمع الاهتداء إلى القواعد، أو العوامل المشتركة التي تجعل منها لغة مشتركة بين أفراد المجتمع المذكور ) ) [4] .
وبذلك تكون هذه اللغة الناتجة عن هذه الدراسة المرجع الذي تقاس به الصحة اللغوية عن الخطأ، وقد تجسد ذلك (المرجع) بالمعجم اللغوي الذي وضعه علماء العربية الأوائل إذ يمثل الدلالة المركزية الأصلية لمعاني المفردات، التي هي حصيلة
(1) - الصناعتين: 236.
(2) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(3) الصناعتين: 57 - 58.
(4) أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، نايف خرما: 108.