الصفحة 160 من 384

وما تحديد هذا المعيار إلا لأن ما كان مألوفا بين الناس لم يخرج عن أصل اللغة. وكما قال أبن المدبر: (( لو وصفت رجلا فقلت: إن فلانا لعاقل كنت قد مدحته، ولو قلت إنه كيس كنت قد قصرت في وصفه، وقصرت به عن قدره إلا عند أهل العلم باللغة، لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة إلا إلى حيث جرت منها العادة في استعمالها في الظاهر ) ) [1] .

إذ أن تكرار الاستعمال هو الذي يجلي معنى اللفظ ويشيعه ويسهل لفظه وفهمه بين الناس، ويمثل مبدأ الاعتماد على (الاشتراك الفكري) لإخضاع اللغة للأسلوب التداولي الأكثر حيوية وملأ بالمعاني بالنسبة لمتداوليه [2] .

ويعد استعمال الدلالة المركزية في عملية توصيل المعاني الدقيقة إلى العامة هي من صفات البليغ التام في مفهوم بشر بن المعتمر قال: (( فإن أمكنك أن تَبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، إلى أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عند الدهاء، ولا يخفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام ) ) [3] .

وبذلك أصبح النفع متبادلا بين الغاية التي يسعى إليها النقاد في تحقيق الفهم والإفهام وتأكيد عمل اللفظ والمعنى مندمجين في فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى في تحقيق البيان الدلالي. (( ومرد هذا في نظرة إلى ما تتميز به اللغة من وضوح الدلالة والقدرة الفائقة على التعبير عن المعاني المختلفة ) ) [4] .

وأكد الآمدي (370هـ) مفهوم ابن المعتمر بوصفه للشاعر بالحذق في تعبيره بالألفاظ المستعملة عن حقائق الأشياء إذ (( من حذق الشاعر أن صور لك الأشياء

بصورها، ويعبر عنها بألفاظها المستعملة فيها واللائقة بها )) [5] .

(1) الرسالة العذراء: 16.

(2) ينظر: اللغة في الأدب الحديث: 155.

(3) البيان والتبين: 1/ 136.

(4) الرؤية البيانية عند الجاحظ: 134.

(5) الموازنة: 1/ 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت