الصفحة 161 من 384

ولذلك كان تصوير الشعراء للمعاني المعروفة المشاهدة متقدم على غير المشاهد وإن كانت في الغرض نفسه، ولهذا فضلها النقاد لتناسيها مع مبدأهم في التمسك بالقريب والمألوف.

ومن ذلك ما ذكره الآمدي في موازنته قول البحتري [1] في غرض [البكاء على الظاعنين]

وقفنا والعيون مشغلات ... يغالب دمعها نظر كليل

نهته رقبة الواشين حتى ... تعلق لا يغيض ولا يسيل

ويعلق عليه الآمدي: (( يستحسن الناس بيت البحتري ونحو مذهبه فيه لكثرة ما يشاهد مثله ) ) [2] . وهذا وصف واقعي لمشهد ما يزال يشاهد وهو والتحير بين التعبير عن حزن الفراق بذرف الدموع والكبر من إظهارها أمام الواشين الشامتين وبقيت عبرة مخنوقة لا توقف الدمع، ولا تدعه يسيل وأغلب الناس مر بهذا الموقف.

وكثيرا ما يشعر الناس بأن يوم الفراق، أو يوم الحزن يكون طويلا وثقيلا حتى كأن وقته يكون أطول من الأيام الأخرى، مع أن ذلك غير صحيح زمنيا، ولكن لألم المحنة يشعرون بذلك وهذا ما تجلى في قول أبي تمام [3] :

يوم الفراق لقد خُلقت طويلا ... لم تبق لي جلدا، ولا معقولا [4]

وعلق الآمدي على هذا البيت: (( وإنما ذهب أبو تمام في معنى طول يوم الفراق إلى ما يعهده الناس ويتعارفونه من أن وقت البؤس، وزمان المحنة أبدا طويل. ولعله ما كان مهجورا قبل يوم الفراق ) ) [5] .

ويذكر المتنبي إحساسا معروفا، تصف به الناس حالها، أو بعضها إذا مرت بالموقف نفسه، وهو الشعور بالمرض في حال تعطلها عن شيء يتكرر عليها فعله ويجدون شفاءهم في معاودة مزاولتهم إياه، ويقول المتنبي محدثا حاله:

(1) الموازنة: 20.

(2) الموازنة: 20.

(3) ديوانه: 242، وشرح التبريزي: 3/ 66.

(4) * والمعقول: اسم مفعول بمعنى المصدر.

(5) الموازنة: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت