الصفحة 163 من 384

وللآمدي في الجزء المخطوط من موازنته حكم على البحتري، وأبي تمام يورده بعد أن ذكر ما قالاه في وصف حمرة الخدود [1] :

(( والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والإغراق في الوصف -وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني، وأخذ العفو منها- كما كانت الأوائل تقول -مع جودة السبك وقرب المأتى والقول في قولهم وإليه أذهب ) ) [2] .

وقول البحتري [3] :-

لو ترانا عند الوداع وقد ... ورد سكب الدموع ورد الخدود

فيعلق الآمدي قائلا: (( أن الدموع إذا مرت على الخدود وردتها، وهذا معنى صحيح مشاهد ) ) [4] .

وأما قول أبي تمام:

ملطومة بالورد أطلق طرفها في ... الخلق فهو مع المنون محكم

فيعلق عليه الآمدي قائلا: وقوله: (( ملطومة بالورد ) )يريد حمرة خدها فلم لم يقل: (( مصفوعة بالقار ) )، ويريد سواد شعرها. (( ومخبوطة بالشحم ) )يريد امتلاء جسمها، و (( مضروبة بالقطن ) )يريد بياضها؟ أن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ وأسخفه وأوسخه )) [5] .

ومن حكم الآمدي في حقهما تتضح الدلالة المركزية في مواصفات ألفاظ البحتري المحتذي لمعاني الأوائل -من حيث قرب المأتى، وأخذ العفو منها- أي المتداول المعروف- وهو في ذلك يوافقه باتباع المعهود من المعاني. ويحكم على بيته بالصحة لأنه معنى حسي مشاهد.

ولم يتقبل وصف أبي تمام لحمرة الخدود لاستقصائه المعنى، وإيراده بلفظ لا يناسب غرض الوصف بجمال حمرة الخد، فلفظة (( ملطومة ) )تشعر بعنف الموقف

(1) و (3) ينظر: النقد المنهجي: 89.

(3) ديوان البحتري: 2/ 768.

(4) الموازنة: 32.

(5) الموازنة: 2/ 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت