ويقال إن المشاهدة أبلغ من باقي الحواس في معرفة الأشياء، وما ذلك إلا لأن الصورة لا تحدث تداعياُ صوريًا فقط في الذهن، بل تحرك معها الاحاسيس النفسية التي يتكون منها نسيج الإدراك الإنساني.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} [1] .
فالختم لا يكون على القلوب والإسماع من باب الحقيقة، وإنما هو من المجاز. فقد مثل القران الكريم حال قلوبهم وأسماعهم التي يدركون بها كلام الإيمان بالأشياء المختومة المغلقة التي انتهى عملها، وأنهى عمل قلوبهم وأسماعهم في هذه الآية لأنهم لم يعملها، كما أمر سبحانه وتعالى. (( فمثلها بالأشياء التي لا يستنفع بها إذ ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بالختم والتغطية ) ) [2] .
ومن أمثلة ذلك أيضًا قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم} [3] .
وقد فسرها الزمخشري بقوله: (( معنى الاستعلاء في قوله: {على هدى} مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ) ) [4] .
فهذا المعنى الذهني الدقيق الذي يستوعب عدة تخيلات لبيان حال هذا التمكن من الهدى والإيمان توضح ببلاغة قدسية في الآية الكريمة تحددت بـ (الاستعلاء) تأكيدًا لثباتهم، فجسدها بحال الراكب فوق الشيء والمطمئن منه.
وتجتمع في صورة التمثيل (التشبيه والاستعارة) ، فالألفاظ تنقل عن معانيها الأولى بالاستعارة، وتكون صورة مجسدة لمعنى أولي على أساس وجود علاقة تشابه بين المعنى الأول والمعنى الثاني في الصورة التمثيلية المستحصل منها بالإشارة إليه على نحو غير مباشر.
وعلى هذا فالاستعارة التمثيلية، أو تشبيه التمثيل مجاز مركب لمعنى واحد.
(1) سورة البقرة: آية (7) .
(2) ينظر: تفسير الكشاف: 1/ 156.
(3) سورة البقرة: آية (5) .
(4) تفسير الكشاف: 1/ 143.