وقد وضحت هذه العلاقة لأن ما ورد عند النقاد القدامى حول التمثيل كان مرة يميل نحو التشبيه ومرة نحو الاستعارة للتداخل بينهما في هذا النوع، من (المجاز) ، أو الدلالة الثانوية فيه.
إن مصطلح التمثيل لم يكن محددًا تحديدًا دقيقًا عند النقاد القدامى، إلا أنهم بينوا نوعه فيما علقوا على ما أوردوه من أمثلة. فمن تفسير أبي عبيدة (209هـ) صاحب مجاز القرآن لقوله تعالى: {على شفا جرف هار} [1] . بقوله: (( ومجاز الآية مجاز التمثيل لأن ما بنوه على التقوى أثبت أساسًا من البناء الذي بنوه على الكفر والنفاق، فهو على شفا جرف، وهو ما يجرف من سيول الأودية، فلا يثبت البناء عليه ) ) [2] .
فتفسير أبي عبيدة لهذه الآية الكريمة يدل على أنه حملها على تشبيه التمثيل، فهو قد شبه حالًا بحال وجعل كليهما متماثلين، فأعمال الكفار ذاهبة سدى بلا نفع لا محالة كالبناء القائم على أساس رخو مهزوز، فهو يسقط وينتهي بلا شك، فتفسيره أجلى عن إضافة الدلالة الثانوية بتجسيد الحالة المعنوية بما جاءت به الآية الكريمة، وما حملته من تأثير نفسي يؤدي به نفوس الكفار لما ثابروا عليه من حياتهم لا ينفعهم في شيء، بل يؤذيهم لخلوه من إيمان بالله خالقهم.
كذلك تفسير لقوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [3] .
إذ قال: (( مجازه في موضع قولهم ألا تمسك عما ينبغي لك أن تبذل من الحق، وهو مثل وتشبيه ) ) [4] .
وجسدت الآية الكريمة على نحو تصويري المعنى إذ تصور اليد تغلل العنق كأنما تخنقه وتمنعه من الحركة والتي قصد فيها القران الكريم حبس البذل بالحق والإنفاق بالعدل تمثيلًا للبخل والمنع من الإحسان. ويلحظ فيما أضفته هذه التصويرية من تدرج في فكرة البخل من أنه يخنق صاحبه، فالضمير الـ (كاف) في يدك، وعنقك
(1) سورة التوبة: آية 109.
(2) مجاز القرآن: 1/ 269.
(3) سورة الإسراء: آية 29.
(4) مجاز القرآن: 1/ 375.