عائد للمخاطب الذي يبخل فإنه يخنق نفسه في هذه الحال لا غيره فيمنعها بإنفاقها بالخير والحق من أن تنال ما يريحها من ثواب الإنفاق الطيب، كمن يمنع عن نفسه التنفس بالهواء فتتعب. فالدلالة الثانوية في التمثيل هي التي حققت هذا التشبيه المركب حالًا بحال.
وإلى مثل رأي أبي عبيدة في التمثيل ذهب الجاحظ (255هـ) والذي ورد لديه بمعنى المجاز كما في قوله: (( ويذكرون نارًا أخرى وهي على طريق المثل لا على طريق الحقيقة ) ) [1] .
وقد حمله أيضًا كأبي عبيدة على التشبيه، من خلال ما علق عليه في قوله تعالى: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث) [2] .
أما قدامة بن جعفر (327هـ) فقد اختلفت نظرته إلى التمثيل من خلال ما جاء في تعريفه له والذي أورده ضمن ما سماه (( نعوت ائتلاف اللفظ والمعنى ) ) [3] ، إذ قال فيه: (( وهو أن يريد الشاعر إشارة إلى معنى فيضع كلامًا يدل على معنى آخر وذلك المعنى الآخر والكلام ينبئان عما أراد أن يشير إليه ) ) [4] . ويتبين من كلامه هذا أنه مال به إلى الاستعارة لوضعه لمعناه الذي يريده كلامًا آخر، فبذلك حصل نقل لمعنى اللفظ لأنه سيشير إلى مراد المتكلم وهكذا فهو من الاستعارة. ومثل لذلك بقول الرماح بن ميادة [5] :
ألم تك في يمنى يديك جعلتني ... فلا تجعلني بعدها في شمالكا
ولو أنني أذنبت ما كنت هالكًا ... على خصلة من صالحات مهالكا
فمن باب محاكاة الشيء بغيره أطرف وأبدع، اختار الشاعر تمثيلًا معروفًا بقصد الإشارة إلى ما يريده، حين بدأ باليد اليمنى وأنه كان ممسكًا فيها، وبطبيعة الحال قدم اليد اليمنى لما يعرف عنها بالتقدم على اليسرى لبركتها وعمل الخير فيها لذلك أصبحت رمزًا للأولوية، فأشار الشاعر إلى حال كونه مقدمًا لدى مخاطبة فلا
(1) الحيوان: 5/ 133 - 134.
(2) سورة الأعراف: آية176.
(3) نقد الشعر: 159.
(4) نقد الشعر: 160.
(5) المصدر نفسه: والصفحة نفسها.