يؤخره، بأنه كان في يده اليمنى فلا يجعله في اليسرى فشبه حالًا بحال في هذه الصورة.
كذلك قول يزيد بن مالك الغامدي [1] :
فإن اسمعوا ضبحًا زأرنا فلم يكن ... شبيهًا بزأر الأسد ضبح الثعالب
فلقوة الأسد قيس عيه صوته بقوة الزأر وهو معروف، وكون الثعلب أضعف منه فضبحه (وهو صوت الثعلب) كذلك أضعف صوتًا من الأسد، وهو بذلك أشار إلى قوتهم كقوة زئير الأسد، وإلى ضعف أعدائهم بضبح الثعلب.
وقول بعض بني كلاب [2] :
دع اشر وأحلل بالنجاة تعزلًا ... إذا هو لم يصبغك في الشر صابغ
ولكن إذا ما الشر ثار دفينه ... عليك فأنضج منه ما أنت دابغ
أشار الشاعر إلى حالين وجه فيهما ما مخاطبه على نحو تمثيلي، فالأول يحثه على ترك الشر إذا لم يمسه، أو يدنو منه ومثله بالاصطباغ وذلك أبين لحال الشر في التصور من مجرد الفكرة، أما الثاني فقد مثل فيه الشر بالشيء المختبئ إذا ما تحرك وأصابك شره فأقض عليه وبالغ في ذلك كمن يدبغ شيئًا لا يتركه حتى ينضجه، ولا يترك فيه أثرًا من حاله الأول.
وعلى يسر المعاني في تلك الأبيات فيما لو قيلت على نحو مباشر نالت حظها من البلاغة والتأثير من تلك الإضافة الدلالية والتمثيل التصويري الجامع بين تركيبين، وقد أصبح بعضها كالمثل المعروف كتلك الأمثلة، وإن كان هذا النوع من الفنون يقدم الصور في نوع من القياسات الجديدة لاختلاف الجوانب التي يستجمع منها عناصره.
وبهذا يتمكن الشاعر من أن ينتفع من الحقائق القديمة بتغيير استعمالها (( ليولد فيها إحساسًا بالغ القوة بالجدة، فيعيد إلى أكثر الحقائق شيوعًا قوتها وتأثيرها وفاعليتها وغير ذلك من الصفات التي سلبها إياها قبول الناس جميعًا لها ) ) [3] .
(1) المصدر نفسه: 161.
(2) المصدر نفسه: 161 .. تعزلا: تنحيا على جنب، دفينه: خفيه.
(3) كولودج: 155.