الصفحة 232 من 384

ولكون الصورة تمثيلية، تعكس الحالة مستجمعة الجوانب بالألفاظ المنقولة عن أصلها، وما تحمله معها من إحساس فني، تربطها علاقة التشابه، وأن تعددت في هذه الحالة مدلولات الألفاظ، ولاسيما إذا اقتربت من أصلها فهي بذلك ستكون في الوقت نفسه الدلالة الثانوية بالمعنى والصورة الجديدة، والدلالة المرجعية لفهم قصد المعنى الثانوي.

ويرد التمثيل عند أبي هلال العسكري (395هـ) بلفظ (المماثلة) [1] والذي لا يختلف في معناه وما ذهب إليه قدامة في شيء، إذ قال: (( أن يريد المتكلم العبارة عن معنى، فيأتي بلفظة تكون موضوعة لمعنى آخر، إلا أنه ينبئ إذا أورده عن المعنى الذي أراده كقولهم: فلان نقي الثوب ) ). يريدون به أنه لاعيب فيه. وليس الموضوع هو نقاء الثوب للبراءة من العيوب، وإنما استعمل فيه تمثيلًا. فقد يأتي هذا التمثيل لإرادة قصد أبعد وهو مدح شخص بسلامة قلبه ونظافته من الحقد، أو للإشارة لحفظ عرضه وصونه وسلامته من الدنس. وقال في هذا المعنى امرؤ القيس [2]

ثياب بني عوف طهارى نقية ... واوجههم عند المشاهد غران

إلا أن المعنى المراد من هذا التمثيل لا يعرف في مثل هذه العبارات إلا بمعرفة محيط العبارة المقالة فيه، أو تتمة سياق العبارة الذي قد ترد فيه قرينة محددة لنوع هذا العيب الخالي منه ذلك الشخص. إذ بدون معرفة الحدث اللفظي لا يكون للفظ دلالة ثانوية ذات إشارة بعيدة، بل تبقى في هذه الحالة على دلالتها الأصلية غير المقصودة فعلًا.

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثًا} [3] .

مثلت الآية الكريمة ما يؤول إليه عمل المشركين من إحباط وضعف وذهاب تدبيرهم هباءًا لسوء دواخلهم وقصد الإيذاء في عملهم، فيدمر الله (سبحانه وتعالى) بقوته ما حرصوا على تدبيره وإتمام فعله من شر، وأمور مخالفة لما أراد الله (سبحانه) بمثل عمل الغازلة فبعد عملها المتعب صبرها كي يتم غزلها، ينفلت منها ما حرصت على بقاءه إتمامه فينتقض غزلها، أي ينفلت وينفتح ويذهب دون فائدة.

(1) الصناعتين: 364.

(2) ديوان امرؤ القيس:115.

(3) سورة النحل: آية:92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت