الصفحة 237 من 384

وذكر أن الكناية أبلغ من الإفصاح، وقال: (( رب كناية تربي على إفصاح ) ) [1] . وقال: (( وربما كانت الكناية أبلغ في التعظيم وأدعى إلى التقديم ) ) [2] .

والكناية تتفق مع ما قدمته الفنون البلاغية من أفادة المبالغة، والتوكيد، والبيان بربط المعنوي بالحسي وإخراجه إلى الوجود، فقد أفادت الكناية المبالغة في لوصف لتصوير المعنى بشكل جديد يغاير من حدة، أو ليونة المعنى الأول الذي تكرر استعماله. وهذا ما تعلل بها الجاحظ للمبالغة بأسلوب الكناية إذ قال: (( وقد يستعمل الناس الكناية، وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة يريدون أن يظهر المعنى بألين اللفظ إما تنويها وإما تفضيلا كما سموا المعزول عن ولايته مصروفا، والمنهزم عن عدوه منحازا. نعم حتى سمى بعضهم البخيل مقتصدا ومصلحا، وسمي عامل الخراج المتعدي بحق السلطان مستقصيا ) ) [3] .

وتفيد المبالغة في الوصف تأكيد الصفة، وتوضح أثر اللفظ في تجسيد المعنى، فمن ذلك ما وصف به عمر بن أبي ربيعة امرأة بطول الجيد [4] :

بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم

فتصوير الشاعر لمعنى (طول عنق) الموصوفة دل على تأمل دقيق لكي يستطيع أن يتلافى التعبير بالمعنى الصريح، فجاءت لذلك المبالغة بالوصف تحمل تصورا لطفيا يمكن تمثله ذهنيا، وتجسده حقيقة، وتعد هذه الصفة من محاسن المرأة المرغوبة في شكلها.

كذلك قول الحكم الخضري:-

قد كان يعجب بعضهن براعتي ... حتى سمعن تنحنحي وسعالي

فلم يصف الكبر باللفظ بعينه، ولكنه أتى بتوابعه وهي السعال والتنحنح [5] . فبالغ بوصف الكبر بما يحدثه في الكبير حتى جعله كناية عنه، وهي صفات ملموسة أبعدت المحبات عنه.

(1) البيان والتبيين: 2/ 7.

(2) رسالة في نفي التشبيه -رسائل الجاحظ: 1/ 307.

(3) رسالة النساء -رسائل الجاحظ: 3/ 140، مجلة المورد: 248.

(4) نقد الشعر: 157.

(5) نقد الشعر: 159. وينظر: قدامة بن جعفر والنقد الأدبي: 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت