والمعاني التي تعبر عنها الكناية بدلالاتها الثواني، هي معان معروفة عامة ذهب عنها الأثر الذوقي فأستعمل فها أسلوب الكناية لإحيائها وتجديد الانفعال بمعانيها (( والإعجاب باعتباره انفعالا تعجز اللغة العادية عن تصويره، لأنها وضعت بازاء الأفكار لتعبر عنها عقليا بمعنى محدد. أما الانفعال فهو قوة تعوزها لغة خاصة. تؤلف من المجاز ووسائل التعبير عنه، من تشبيه واستعارة وكناية ... . ) ) [1] .
ومن أمثله ذلك أيضا قوله تعالى: (( أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ) ) [2] .
فقد كنت الآية الكريمة عن المرأة بما اتصفت به من لبس الحلي، وضعف عبارتها في الخصام وهذا في معرض حديث السورة عن نسب المشركين البنات إلى الله (جل وعلا) فالمرأة (( ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة وإذا خاصمت فلا عبارة لها بل هي عاجزة عيبة، أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم ) ) [3] .
كذلك قولهم: (( فلانة خرساء الأساور ) )كناية عن أنها بدينة الجسم:
لأن الأساور لها صوت عند حركتها في الساعد إذا كان نحيفا أو خفيف السمنة أما إذا كان بدينا سد فراغها فأذهب صوتها فأصبحت كالأخرس. وهذا الوصف بتلك الألفاظ يؤدي جمالية المعنى بحسب ما يريد المتحدث.
ومن الفوائد الدلالية للكناية أيضا (تهجين الشيء وتنفيره) [4] كما في قوله تعالى: (( أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ) ) [5] .
فقد كنى في الآية الكريمة عن صفة ذميمة هي (( الاغتياب ) )أي الكلام عن شخص بما يكرهه في غيابه، وحث على اجتنابه بما صور به معناها للتنفير عنه وبيان قباحة فعله وفاعله، فقد ناسبت الآية في التصوير بين الصفة بالمعنى الصريح وبين ما رتبه من الدلالات الأربعة في الكناية عنها، فكما أن الغيبة تحدث بغياب
(1) ينظر: الأسلوب، أحمد الشايب: 51.
(2) الزخرف: 18.
(3) تفسير القرآن العظيم: 4/ 126.
(4) البلاغة العربية، مصطفى الصاوي الجويني: 108.
(5) الحجرات: 12.