المتحدث عنه، فصورها بأن الإنسان يأكل من لحم إنسان مثله، ثم نسب إليه صفة الأخوة، ثم جعله ميتا كناية عن الغياب، ثم صور كل ذلك للمغتاب وهو يفعله بأخيه ليكره الفعل في نفسه أكثر بحكم رابطة الدم.
ويشير تعالى بذلك إلى أن ما تكرهون طبعا فاكرهوا ذاك شرعا [1] . بذلك تجمع هذه الكناية مع بعضها طابقت المعنى الذي من أجله وردت الآية الكريمة [2] .
ومثل ذلك أيضا ما ورد في قوله تعالى: (( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) ) [3] فقد كنى القران الكريم عن البخل في هذه الآية الشريفة باليد المغلولة إلى العنق، فاليد بحال طبيعتها تمسك الأشياء، أما إذا كانت مسكة بغل وبالعنق فإنها تكون شديدة، كالبخيل لا يمد يده بالعطية وإن فعل فذلك شديد عليه وقليل منه. فصور أقصى غايات البخل بغل اليد إلى العنق [4] .
وتستعمل الكناية في (( تحسين المعنى بترك اللفظ إلى ما هو أجمل منه ) ) [5] .
فمن أمثلة ذلك قوله تعالى: (( إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ) ) [6] اذ كنى عن الهزيمة بالتحيز فهي ألطف من معنى الأولى لما فيها من إشعار بالضعف والخيبة.
كذلك ما يروى عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) ) [7] : (( رفقا بالقوارير ) )فقد كنى عن النساء واصفا إياهن بالقوارير، لطبيعتهن من رقة الجسم والروح وعدم تحملهن الأذى. فبلاغة الكناية بهذا التعبير تتبين من خلال إمكان تجسده في الواقع وتحسس معناه ودقة بجمال اللفظة وصحتها حقيقة.
ومن الملاحظ في أسلوب الكناية أن في إضافته المعنى الثانوي إلى الأول تخلق استعمالا جديدا للألفاظ في مجال جديد يعكس رؤية وفكرة متطورة عما سبق إذ
(1) ينظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: ج4/ 214 - 215.
(2) ينظر: التصوير البياني، حفني محمد شرف: 231. والبيان العربي، بدوي طبانة: 345.
(3) سورة الإسراء: 29.
(4) ينظر التصوير البياني: 230. والبيان العربي، بدوي طبانة: 346. والبلاغة العربية، الجويني: 108.
(5) البلاغة العربية، الجويني: 108.
(6) الأنفال: 16.
(7) فتح الباري: ج10/ 594