وقال الجاحظ في هذا الجانب من الكناية: (( ولأمر ما كنت العرب البنات فقالوا: فعلت أم الفضل، وقالت أم عمرو، وذهبت أم حكيم. نعم دعاهم ذلك إلى التقدم في تلك الكنى. وفسرنا ذلك كله في كتاب الأسماء والكنى والألقاب والأنباز ) ) [1] .
ومن الجوانب المهمة لتغير اللفظ بطريق الكناية إضافة معان ثانوية من شأنها أن تستر وتجنب سماع ألفاظ الفحش مما يخدش الشعور ويسبب الحرج فيها لو أطلق باللفظ الأول المعروف، فهذا اللفظ الجديد لا يغير معنى أوليا وإنما يزيح عنه بعض الفحش في معناه، وهو زيادة على ذلك يكون دالا جديدا على المعنى.
وتسمية الفحش لفظة أطلقاها القدماء على تلك الألفاظ فقد قال الجاحظ: (( ويقال لموضع الغائط الخلاء والمذهب والمخرج والكنيف والحش والمرحاض والمرفق، وكل ذلك كناية واشتقاق، وهذا يدلل أيضا على شدة هربهم من الدناءة والفسولة والفحش والقذع ) ) [2] .
فهذه المسميات هي ما حدده القدامى لتلك الألفاظ المستكرهة والمستهجنة باللفظ الصريح. وقد التمس بعض المحدثين مصطلحا أكثر سعة وإيحاء بمضمون المفردات التي يعبر عنها وهو (( اللامساس ) )، أو (( حظر الاستعمال اللغوي ) )ويقصد بهما: (( تجنب ذكر ألفاظ وعبارات لأسباب دينية واجتماعية ونفسية ) ) [3] . لذلك فهو من الجوانب التي يتناولها علماء الاجتماع والفلسفة من خلال علم اللغة الاجتماعي [4] .
وأكثر ما أتضح هذا الجانب في اللغة العربية، في الكناية فالعرب عن طريقها تجاوزوا ما في تلك الألفاظ من محظورات معنوية لا تليق بالمجتمع العربي ولا سيما بعد مجيء الدين الإسلامي الذي أكد فائدة هذا الجانب من اللغة بما ورد في القرآن الكريم. فقد تجنب القرآن الكريم ذكر ألفاظ النجاسة، من ذلك قوله تعالى قصة النبي
(1) البيان والتبين: 1/ 146.
(2) الحيوان: 5/ 295.
(3) اللامساس في العربية: 14.
(4) ينظر: معجم علم الاجتماع، ميشيل ديكن: 355. ومصطلحات الفلسفة: 93.