ومن عادة القرآن الكريم الكناية عن هذه الألفاظ، من ذلك قوله تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} [1] .
قال الطبرسي: (( ... .. وقيل المراد بالجلود هنا الفروج على طريق الكناية ) ) [2] فالجلود كناية عن الفروج ومن الواضح الفرق بين الإحساس في المفردتين لو ذكرتا في حديث. وقال الجاحظ: (( قالوا: الجلود كناية عن الفروج، كأنه كان لا يرى أن كلام الجلد من أعجب العجب ) ) [3] .
وما هذا الأسلوب وغيره الذي ورد في كتاب الله العزيز إلا ثقة بما أودعه الله من إدراك في عقل متدبريه. لذلك فالكناية من الفنون التي تمكن المتحدثين من الوصول إلى المعنى ولهذا قال الجاحظ: (( وللعرب إقدام على الكلام ثقة بفهم أصحابهم عنهم ... . ) ) [4] .
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: (( ولكن لا تواعدهن سرا ) ) [5] . فالكناية هنا عن النكاح، وهذا ما دلت عليه الدلالة الثانوية للآية، وكما بين الزركشي بقوله: (( وهو أن الجماع غالبا يكون بن الآدميين في السر ولا يسره ما عداهم إلا الغراب ) ) [6] .
لذلك فالتحذير في الآية عن المواعدة بذلك سرا بين أنه (( النكاح ) )لأنه عادة كما ذكر الزركشي لا يحصل إلا بالسر.
ومن أمثلة ذلك أيضا ما ذكره الجاحظ: (( وكانوا إذا أرادوا الكناية عمن زنت وتكسبت بالزنا قالوا: قحبت أي سعلت كناية ... .. ) ) [7] . لأن التي تفعل (الزنا) تحدثه بجذب النظر غير الاعتيادي، كمن تسعل وتلفت النظر اليها.
ويكمل الجاحظ قوله: (( وكذلك كان كنايتهم عن انكشاف عورة الرجل، يقال: كشف علينا متاعه وعورته وشواره ) ) [8] .
(1) سورة فصلت: آية 21.
(2) مجمع البيان في تفسير القرآن: 9/ 9.
(3) الحيوان 1/ 344، وينظر:2/ 280
(4) الحيوان: 5/ 32.
(5) سورة البقرة: آية 235.
(6) البرهان في علوم القرآن، الزركشي: ج2/ 298.
(7) و (2) لحيوان: 1/ 334.