ويضحي فتت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل [1]
فقد أراد الشاعر أن يوصل صورة حالها وهي مترفة مخدومة محتفظة بنظافتها وعطرها، فأشار إلى ذلك انتشار المسك إلى وقت الضحى فوق فراشها بمعنى بقائها نائمة إلى ذلك الوقت لم تقم إلى عمل لا عن كسل بل عن تفضل لأنها مكفية الأمر. وهو تصوير رقيق لطيف.
وقد جاء الإرداف لدى قدامة بن جعفر مع نعوت (إئتلاف اللفظ والمعنى ) ) وقد وضح هذا التألف تحت هذه التسمية بالتتابع بين اللازم والملزوم، أو بين التابع والمتبوع.
وَيَرد هذا المصطلح أيضا لدى أبي هلال العسكري مضيفًا إليه لفظة التوابع ولا تختلف تسمية (( الإرداف والتوابع ) )في المفهوم عما عرفه به قدامة إذ قال العسكري: (( وهو أن يريد المتكلم الدلالة على معنى، فيترك اللفظ الدال عليه الخاص به ويأتي بلفظ هو ردفه وتابع له فيجعله عبارة عن المعنى الذي أراده ) ) [2] .
وقد مثل له بقوله تعالى: {فيهن قاصرات الطرف} [3] . فقد عدل عن المعنى الخاص المقصود إلى لفظ آخر سماه النقاد الإرداف وهو يصور ذلك المعنى الخاص بألفاظ تحمل على إدراك المعنى الأصلي من معاني الإرداف الثانوية. فقصور الطرف بمعنى غضه ومنعه من النظر إلى ما قد تستهويه النفس بطريق النظر من هيئات الرجال إلا عما حلل الله تعالى لهن من أزواج. ومجاهدة النفس بهذه الحال هي درجة عالية وصفها الله ليفهمنا منها معنى العفة المقصود من الآية فروعه التصوير أوصلت هذا المعنى الأساس.
ولطالما فطن الآمدي لهذا المبدأ حين قال: (( إن حسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسنا ورونقا حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن وزيادة لم تعهد ) ) [4] .
(1) الفتيت: ما تفتت من لمسك عن جلدها. نؤوم الضحى: التي تنام في وقت الضحى لأن لها من الخدم والحشم من يكفيها ويقوم بلوازم بيتها. لم تنتطق: لم تجعل في وسطها نطاقا للعمل في البيت.
(2) الصناعتين: 360.
(3) سورة الرحمن: 56.
(4) الموازنة، الآمدي:350، وينظر: النقد المنهجي، محمد مندور: 122.