فقد عرض بكلامه بطلب من استشفع به وبينه للمأمون، دون أن يبين ذلك صراحة، فعرضة بأسلوب أخفى فيه تمكنه وتقربه بالطلب تأدبا واحتراما، وحيلة ليحصل على ما يريد فجملهُ تلك لوازمٌ للقصد الأصلي من كلامه.
وهنالك مسميات أخرى غير التعريض كالتلميح والرمز والإيماء والإشارة تدخل جميعها تحت (الأسلوب الكنائي) [1] ، أو فن الكناية لأنها لا تختلف كثيرا عن المعنى اللغوي للكناية ففيها جميعا يكنى عن المعاني ويستر المقصد الأصلي منها بالمعاني الثانوية. إلا أنها تتفاوت في درجة قرب لوازمها وبعدها عن المعنى الأولي أو الأصلي ولها الأثر نفسه الذي للكناية من حيث تصوير الفكرة، وتأكيد الأثر في المتلقي من خلال العرض الفني الذي تطرح فيه.
فـ: (( التعريض خلاف التصريح، يقال: عرضت لفلان أو بفلان، إذا قلت قولا وأنت تعنيه. واشتقاقه من قولهم: (( عرض له كذا (( إذا عن، لأن الواحد منا قد يعرض له أمر خلاف التصريح فيؤثر ويقصده حينما لا يريد المكاشفة ) ) [2] .
وهو أسلوب مستعمل عند العرب كثيرا إذ يصلون به إلى ما هو لطف وأحسن من الكشف والتصريح.
وهو يقارب الإرداف في هذه الحالة مجتمعا (( تذكر شيئا يدل على شيء لم تذكره. وأصله التلويح من عرض الشيء) [3] فهو يحيل ألى شيء متروك هو المقصود.
فمن أمثلة التعريض قول أيمن بن خريم الأسدي يعرض بكلف كان وجه عبد العزيز بن مروان أخي بشر:
يصافح خد بشر حين يمسى ... إذا الظلماء باشرت الخدودا.
لأنه قد أوهم السامع أنه إنما أراد المبالغة بذكر الظلماء ولا سيما وقد قال حين يمسى فعرض بلون ذلك الكلف في الخد وهو عادة غامق اللون طاهر في
(1) التصوير البياني: 223.
(2) تأويل مشكل القرآن: 204.
(3) ينظر: البيان العربي: 352.