ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقول أبي نصر بن نباتة:
اذا كان نقصان الفتى في تمامه ... فكل صحيح في الأنام تحليل
فهذه أبيات معانيها معروفة ولم تخرجها الألفاظ عما وضعت له من المعاني لمساواتها لها ودلالتها الصريحة على القصد حتى أنها أصبحت مشهورة وتستعمل كالحكم لما فهيا من إدراك لحقائق موضوعية.
أما عبد القاهر الجرجاني (474هـ) حين ذكر الدلالة فقد حدد ضربيها على نحو مباشر وبين الدلالة المركزية والثانوية فيها. قال: (( الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلًا بالخروج على الحقيقة. فقلت: خرج زيد ) ) [1] . ومعنى كلامه هنا أن الدلالة عنده تساوي المعنى، فالمعنى معلوم منها مباشرة. وسمى هذا الضرب من الدلالة بـ (( المعنى ) )، والإخبار فيها على الحقيقة، أي على المعنى المتعارف عليه في أصل الوضع متحقق في تطبيقها قولًا وفعلًا و (( المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة ) ).
وتناول ضياء الدين أبن الأثير (606هـ) دراسة الدلالة في الفصل الثالث من كتابه (المثل السائر) في موضوع سماه: (( في الحكم على المعاني) [2] وبين فيه فائدة دراسة المعنى، إذ قال: (( وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها، وصاحب هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه بخلاف غيرهما من هذه الفصول المذكورة لاسيما مفسري الأشعار، فإنهم به أعنى ) ). ففيه يبحث طريقة فهم المعنى وأساليب تناوله المتعددة بحسب تنوع المعاني ولهذا خص بهذه الدراسة مفسري الأشعار لأنهم يدرسون المعنى لأجل المعنى نفسه.
(1) دلائل الإعجاز: 180.
(2) المثل السائر: ج1/ 32.