الصفحة 284 من 384

وبما أن المعنى مفهوم من ظاهر اللفظ، أخرجه أبن الأثير من المعاني التي يمكن الترجيح بينها، قال: (( لا تعلق للترجيح به، إذا ما دل عليه ظاهر لفظه، ولا يحتمل إلا وجهًا واحدًا فليس من هذا الباب في شيء ) ) [1] .

وتبين التفكير الدلالي عند أبن الأثير في تقسيماته المذكورة آنفًا وتحليله الدلالي للمفردات في تراكيبها، وهذا ما أتضح في ترجيحه بين معاني المفردات لا على ما أختلف فيه، بل على ما تشابهت به وهذا ما يجعل الترجيح أدق وأصح فقد رجح بين الحقيقيين والمجازيين تاركًا الترجيح بين الحقيقة والمجاز لأنه (( يعلم ببديهية النظر لمكان الاختلاف بينهما، والشيئان المختلفان يظهر الفرق بينهما بخلاف ما يظهر بين الشيئين المشتبهين ) ) [2] .

وهو بذلك يشير إلى مبدأ الثبات في الدلالة المركزية (( فالكلمة إن دلت على حقيقة ثابتة في الاستعمال، أو على مجاز ثابت في الاستعمال هي من باب الدلالة المركزية ) ) [3] .

وقد مثل للمعنيين الحقيقيين وأقربهما للدلالة المركزية بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( التمسوا الرزق في خبايا الأرض ) ) [4] . فالخبايا قد تعني الكنوز المخبوءة في الأرض، وقد تعني الحرث والغراس، وكلا المعنيين حقيقيين إلا أن المعنى الأول ألصق بالدلالة المركزية للكلمة فيكون المعنى الثاني أقرب إلى الدلالة الهامشية لأن المعنى المعجمي للكلمة (خبيئة) وهي مفرد خبايا: كل ما يخبأ كائنًا ما كان، وخبايا الأرض أقرب في المعنى المعجمي إلى الكنوز [5] .

وتمثل، أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم )): (( إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال ) ) [6] . فالنعال قد تعني ما غلظ من الأرض وقد تعني النعال [7] . وقد رجح أبن

(1) المثل السائر: ج1/ 40.

(2) المثل السائر: 1/ 42.

(3) ظلال المعنى بين الدراسات التراثية وعلم اللغة الحديث: 76.

(4) تفسير القرطبي: ج4/ 139.

(5) المثل السائر: 1/ 42. وينظر ظلال المعنى: 76.

(6) النهاية في غريب الحديث والأثر: 5/ 82.

(7) المثل السائر: 1/ 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت