الأثير المعنى الثاني، فهو أقرب إلى المقصود من معنى الحديث الشريف: (( لظهوره في الدلالة على المعنى، وأكثر العلماء عليه ) ) [1] . وعلل ترجيحه بمحاججة عقلية ليؤكد ما ذهب إليه قائلًا: (( ولو كان المراد به ما غلظ من الأرض لخرج من هذا الحكم كل بلد تكون أرضه سهلة لا غلظة فيها ) ) [2] .
ويدلنا تحليل أبن الأثير للدلالات المتشابهة الحقيقية على جانب مهم في الدلالة المركزية هو أن هذه الدلالة ترقى إلى درجتها البليغة بقوة التصريح في المعنى الذي تعبر عنه، لا بطريقة التعبير الفني التي تبعد المعنى عن أصله، فالجانب الفني يقل في هذه الدلالة لاشتراك الفهم في مستواها التصريحي وقد تكثفت الشروح والنصوص السالفة التي بينت مفهوم الدلالة الاصلية أو المركزية عند البلاغيين في مصطلح وضعوه عندما احتاجوا إلى تقنين العلوم، والتعبير عنا بمفردات معروفة القصد، فأصبح مصطلح (( الحقيقة ) )الشق الأول من مستوى الدلالات في الدراسة البلاغية ويطلق عليها (المعنى الأول) أو أصل المعنى، أو المعنى الوضعي أو المعني غير المؤول)، وغيرها من التسميات التي تداولها قدامى البلاغيين.
وبهذه الفكرة تشابهت تعريفات البلاغيين بالحقيقة وكونت بابًا في الكتب البلاغية قال العلوي معرفًا الحقيقية: (( الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، وهي على وزن فعيلة ) ). ثم قال: (( وأجمع تعريف ما ذكره أبو الحسن البصري. فإنه قال: (( ما أفاد معنى مصطلحًا عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب ) ) [3] .
وقال عبد القاهر: (( كل كلمة أريد بها ما وقعت له وفي وضع واضع، وإن شئت قلت في مواضعه وقوعًا لا تستند فيه إلى غيره فهي حقيقية ) ) [4] . وهذه الحقيقة في اللفظ المفرد أما في الجملة فهي: (((كل جملة وضعتها على أن الحكم المفاد بها على ما هو عليه في العقل وواقع منه فهي حقيقة، ولن تكون كذلك حتى تعرى من التأول ) ) [5] .
(1) و (2) المثل السائر: والصفحة نفسها.
(3) الطراز: 46 - 47.
(4) أسرار البلاغة: 324.
(5) أسرار البلاغة: 355.