الصفحة 62 من 384

ويبدو أنّ ابن جني يستدل على العرف المشترك والقصد الواحد والواضح بنسبة معينة بما شاهدهُ من أحوال المتكلمين ووجودهم ممن استطاع أنْ يلزم مجالسهم في أثناء حديثهم، أو بما سجله ونقله العلماء عن أحوال المتكلمين الذين سبقوا عصره فلم يحضر حديثهم، أو شاهَد أحوالهم. ومن المعلوم أنّ الرواة نقلوا الحوادث التي وقعت مع ظروفها الخارجة عنها، وهذا يعكسهُ سياق الحال المستفاد من السياق اللغوي.

وقد استشهد ابن جني لتوضيح فكرتهِ قائلًا: ألا ترى الى قوله: [1]

تقول- وصكت وجهها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعسُ؟!

(( فلو قال حاكيا عنها: أبعلي هذا بالرحى المتقاعسِ من غير ان يذكر صك الوجه- لاعلمنا بذلك أنها متعجبة منكرة، لكنه لما حكى الحال، قال:(وصكت على وجهها) عُلم بذلك قوة إنكارها وتعاظم الصورة لها. هذا مع انك سامع لحكاية الحال غير المشاهد لها ولو شاهدتها لكنت بها أعرف، ويعظم الحال في نفس المرأة أبين). [2] وفي البيت الذي ذكرهُ ابو الفتح لينقل سلوكا اجتماعيا معروف القصد يعتمد على امرين:- [3]

اولهما: الفعل القولي بقولها (أبعلي هذا بالرحى المتقاعس؟!) أي استنكارها بالتعبير اللغوي.

وثانيهما: الفعل السلوكي غير القولي (رد الفعل العملي) ويمثله قول الشاعر: وصَكّتْ وجهها بيمينها فهذا الفعل (صَكُّ الوجه) زاد في إيصال معنى الانكار وقوتهِ وعظمة عيب فعل زوجها. فهو دلالة عرفية أصبحت لها مركزيتها بتكرار استعماله في الموقف نفسه بين الناس. ويعضدهُ قوله تعالى:

{فأوْجَسَ مْنِهم خيفَةً قالُوْا لا تخَف وَ بَشّرُوه بُغلاَم عَليمِ 28} فَأقْبلَتَ أمرأتُهُ في

صَرّةٍ فَصَكّت وَجهَهَا وَ قاَلت عَجُوزُ عَقِيمٌ {29} [4] .

(1) يقصد الشاعر: نعيم بن الحارث بن يزيد السعدي.

(2) الخصائص:1/ 245. والمتقاعس: الذي يدفع صدرهُ الى الامام والخلف بصورة متوالية.

(3) ينظر: الدلالة عند ابن جني: د. عبد الكريم مجاهد:164.

(4) الذاريات: 28 - 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت