الصفحة 63 من 384

وكل ذلك الوصف للحدث اللغوي استطاع نقله الشاعر في ذلك البيت لسامع حكاية الحال غير المشاهد لها، والمشاهدة أبين وأشد تأثيرا من السماع كما ذكر ابن جني في نصه.

وفي مثال آخر يذكرهُ ابنُ جني يوضح فيه ما للدلالة الاجتماعية المركزية من أهمية في عملية الايصال الكلامي والتفاهم الذهني ضمن أفراد البيئة اللغوية الواحدة إذ يقول ابو الفتح: (( وكذلك قول الآخر [1] :

قلنا لها قفي لنا ... قالت قافِ

لو نقل إلينا هذا الشاعر شيئا آخر من جملة الحال فقال مع قوله: (( قالت، قافِ(وأمسكت بزمام بعيرها) أو (عاجتهُ علينا) لكان أبين لما كانوا عليه وأدل على أنها أرادت: وقفت، أو توقفت، دون أن يُظن أنها أرادت: قفي لنا! يقول لي: قفي لنا! متعجبة منه. وهو إذا شاهدها وقد توقفت عَلَمَ أنّ قولها (قافِ) إجابة له، لا رد لقولهِ وتعجب منه في قوله (( قفي لنا ) ) [2] .

وقصد ابن جني بذلك دلالة هذه الجملة (وأمسكت بزمام بعيرها) على الوقوف والاستجابة لطلبهم الوقوف. فالامساك بزمام بعيرها وشده أي سحبه إليها وتنبه بعيرها بشد الزمام الموضوع في فمهِ بالتوقف عن السير علامة واضحة في رغبة التوقف لهم، وتمثل هذه العملية السلوكية غير الكلامية دلالة اجتماعية تحققُ الفهم المركزي لو ذكرت في النص، وتمثل عنصرًا خارجيا عن النص يعُد قرينه لإيضاح القصد الأصلي للحدث (يزول معها الإبهام ويتضح موقفها، أذ يدل بجلاء على استجابتها لا على تعجبها وانكارها الذي قد يتبادر الى الذهن في قولها: قاف) . (3) ومن ذلك أيضا يظهر ما للسياق اللغوي وغير اللغوي من اهمية تحقيقية للمعنى

(1) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وبقية البيت: لاتحسبينا قد نسينا الا يجاف. والايجاف: سرعة السير. الخصائص: 1/ 246.

(2) الخصائص: 1/ 246.

(3) ينظر، الدلالة عند ابن جثي/ 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت