النساء تحمل النفس على الأشر و البطر و الغفلة و منها تخلي القلب للفكر و الذكر فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب و تعميه و تحول بين العبد و بين الذكر و الفكر و تستدعي الغفلة و خلو الباطن من الطعام و الشراب ينور القلب و يوجب رقته و يزيل قسوته و يخليه للذكر و الفكر و منها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرا من الفقراء من فضول الطعام و الشراب و النكاح فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص و حصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى و يدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج و مواساته بما يمكن من ذلك و منها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فتسكن بالصيام وساوس الشيطان و تنكسر سورة الشهوة و الغضب و لهذا جعل النبي صلى الله عليه و سلم [ الصوم وجاء ] لقطعه عن شهوة النكاح و اعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال من الكذب و الظلم و العدوان على الناس في دمائهم و أموالهم و أعراضهم و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ من لم يدع[1] قول الزور و العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه [2] ]خرجه البخاري و في حديث آخر: [ ليس الصيام من الطعام و الشراب إنما الصيام من اللغو و الرفث[3] ]
(1) يدع: يترك، وقول الزور: الكذب، والمراد التحذير من قول الزور لا الأمر بالأكل والشرب، والمراد من نفي الحاجة: عن الله عدم المحبة منه وعدم الثواب على الصوم وعدم قبوله. ...
(2) الصحيح (2/556) ، برقم (1903) . ...
(3) أخرجه: مسلم في الصحيح (2/806) ، والرفث: السخف وفاحش الكلام. وأخرجه: البيهقي في السنن الكبرى (4/270) . ...