وقال ابن حجر: [وعَدّ كثير من الشافعية المشاورة في الخصائص، واختلفوا في وجوبها فنقل البيهقي في المعرفة الإستحباب عن النص، وبه جزم أبو نصر القشيري في تفسيره، وهو المرجَّح] [1] وصرح ابن حجر ـ في موضع آخر ـ [بأن حكم الشورى هو الاستحباب فقال: [وجاء في استحباب الاستشارة آثار جياد. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الشَّعبي قال: من سَرَّه أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير] [2] .
ونقل النووي الإجماع على أن الشورى مستحبة غير واجبة في حق الأمة، حيث قال في شرح حديث تشاور الصحابة في كيفية الإعلام بوقت الصلاة وبَدْء الأذان، قال: [وفيه التشاور في الأمور لاسيما المهمة وذلك مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء، واختلف أصحابنا هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كانت سنة في حاله صلى الله عليه وسلم كما في حقنا، والصحيح عندهم وجوبها وهو المختار قال الله تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحققو أهل الأصول أن الأمر للوجوب وفيه أنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده ثم صاحب الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة. والله أعلم] [3] .
فالنووي فَرَّق بين حكم الشورى بالنسبة للأمة وبالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال إنها مستحبة في حق الأمة بإجماع العلماء أي أنها سنة في حقنا، أما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فهي واجبة، ثم ختم كلامه ببيان أنها غير ملزمة بقوله [إن صاحب الأَمْر يفعل ما ظهرت له مصلحة] . والنووي بهذا جعل الوجوب من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وحكم بندبها للأمة.
وقد قال الجويني وابن تيمية وابن القيم إن حكم الشورى هو الاستحباب، وستأتي أقوالهم إلا أن القرطبي نقل القول بالوجوب في حق الأمة عن ابن عطية وابن خُوَيْز مَنْدَاد في تفسيره لآية آل عمران [4] فقال ابن خُوَيْز مَنْدَاد (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم) ، وقول ابن عطية أشد، وهو (والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا مالا خلاف فيه) . قلت: أما ايجابهما المشاورة على الولاة فهذا معترض بما نقلته عن ابن حجر والنووي آنفا أن المشاورة مستحبة ليست واجبة، وأما قول ابن عطية: بعزل الوالي الذي لا يستشير، فهذا لم يقل به أحد، والعجب أنه يقول: إن هذا مما لا خلاف فيه والكل على خلافه، ويحتاج الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع يؤيد الوجوب الذي قاله في العزل، حيث قال (فعزله واجب) فكيف حكم بالوجوب بلا دليل؟، وقد دلت النصوص على أن الحاكم ينعزل بالكفر إجماعا فهل ترى الشورى كفر أو حتى فسق، وراجع ما ينعزل به الإمام في الأحكام السلطانية للماوردي ص 17 ـ 20 فلن تجد فيها ترك الشورى، وقال ابن حجر في شرح حديث «من كره من أميره شيئا فليصبر، فإن من خرج من السلطان شبرا مات ميتة
(1) - (فتح الباري) ج 13 ص 341
(2) - (فتح الباري) ج 13 ص 149
(3) - (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 4 ص 76
(4) - القرطبي 4/ 249 ـ 250