وأبشروا» [1] ، أي الزموا السداد، فإن لم تستطيعوا فقاربوه أي اقتربوا من السداد، وأبشروا مع ذلك. وقد حدثت أخطاء من الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مع ذلك دائم التوجيه والإصلاح لهم صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما صنع خالد مع بني جذيمة، وأَمْر عبد الله بن حذافة أصحابه بدخول النار، فلا ينبغي أن يكون الخطأ مثبطا عن العمل بل حافزا للإصلاح.
المقصود بالأفضل أي في العلم والإيمان والمنزلة الدينية وذلك بحسب الحكم على الظاهر قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [2] ، وسُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكرم الناس؟ قال: «أتقاكم» [3] . وهذا خلافا لإمام الحرمين الجويني الذي اعتبر الأفضل [عَنَيْنَا به الأصلح للقيام على الخلق بما يستصلحهم وهذا تنبيه على معنى التفضيل] [4] . فينبغي التفريق بين الأفضل والأصلح، وليس الأفضل هو الأصلح دائما، فقد يكون أفضل الناس هو الأصلح كما كان الخلفاء الراشدون الأربعة، وقد يكون الرجل فاضلا ولا يصلح للولاية كأبي ذر - رضي الله عنه -، قال ابن تيمية: [وكان أبو ذر - رضي الله عنه -، أصلح منه ـ أي من خالد بن الوليد ـ في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرن على اثنين ولا تَوَلَّين مال يتيم» [5] . نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية، لأنه رآه ضعيفا، مع أنه قد رُوِيَ (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر) ] [6] .
وجمهور العلماء على أنه تجوز تولية المفضول مع وجود الفاضل إما لجلب منفعة أو لدفع مفسدة، وهذا الكلام ينطبق على الإمامة الكبرى وعلى سائر الولايات.
قال القاضي أبو يعلى: [فإن كان أفضل الجماعة ـ ممن جمعوا شروط الإمامة ـ فبايعوه ثم حَدَثَ من هو أفضل منه لم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه. وفي الابتداء لو عدلوا عن الأفضل لغير عذر لم يجز، وإن كان لعذر من كون الأفضل غائبا أو مريضا أو كان المفضول أطوع في الناس جَازَ] [7] ، وقال الماوردي كلاما قريبا من هذا في أحكامه السلطانية [8] .
(1) - رواه البخاري
(2) - الحجرات، الآية: 13
(3) - متفق عليه عن أبي هريرة
(4) - (الغياثي) ط 2 ص 165 تحقيق د / عبد العظيم الديب
(5) - رواه مسلم
(6) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 256، والحديث الأخير رواه الترمذي وحسنه برقم 3806 كتاب المناقب.
(7) - (الأحكام السلطانية) ص 33
(8) - الصفحة 8