فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 403

وقال الجويني: [فلو فرضنا مستجمعا للشرائط ـ أي شرائط الإمامة ـ بالغا في الورع الغاية القصوى، وقدرنا آخر أكفأ منه، وأهدى إلى طرق السياسة والرياسة، وإن لم يكن في الورع مثله، فالأكفأ أولى بالتقدم] [1] .

مما سبق يتبين لنا أنه يجوز تولية المفضول لأسباب:

الأول: غياب الفاضل، وفي معناه أسْرَه، أو مرضه بما يقعده عن القيام بالأعباء.

الثاني: جلب المنفعة، ككون المفضول أصلح للولاية أو أجمع لقلوب الناس، وفي هذا قال ابن حجر: [والذي يظهر من سيرة عمر في أُمَرَائِه الذين كان يُؤمِّرهم في البلاد أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها، فلأجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم كأبي الدرداء بالشام، وابن مسعود بالكوفة] [2] ، وقال ابن تيمية: [فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة: قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررا فيها، فيُقَدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا، كما سئل الإمام أحمد: عن رجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» ورُوِيَ «بأقوام لا خلاق لهم» . وإن لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يَسُد مَسَدَّه] [3] .

الثالث: دفع المفسدة ودرء الفتنة، ككون المفضول حازما في سياسة القوم وإقامة الحدود وغيرها، وفي هذا يقول القرطبي: [يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة، وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البَيْضة وسد الخلل واستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها. فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها يُنْصَب الإمام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ويدل على ذلك أيضا عِلْمُ عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم، والله أعلم] [4] .

ومن أمثلة تولية المفضول لِدَرْءِ الفتنة عزل عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص من إمارة الكوفة وتولية غيره عليها، مع كون سعد من العشرة المبشرين بالجنة ومن أصحاب الشورى الذين استخلفهم عمر، وقال عمر عنه: (فإني لم

(1) - (الغياثي) ص 180

(2) - (فتح الباري) ج 13 ص 198

(3) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 255

(4) - تفسير القرطبي ج 1 ص 221

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت