أقصد المعذورين من المكلفين أما غير المكلف (وهو غير المسلم وغير البالغ وغير العاقل أي الكافر أو الصبي أو المجنون) فلا نتكلم عنه هنا.
وإذا كنا قد ذكرنا من قبل أن التدريب يجب على كل مسلم بالغ عاقل سالم من الضرر واجد للنفقة، ذكر أو أنثى على احتياط بشأن تدريب المرأة ذكرته من قبل.
فما هي الأعذار الشرعية المُسْقِطة لوجوب التدريب؟. هي إما عجز من جهة القوة (عمى أو عرج أو عجز) أو عجز من جهة المال (عدم وجود النفقة) والآيات التي وردت فيها هذه الأعذار هي:
1 = آية النساء {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} [1] ، وأولوا الضرر هم أصحاب الأعذار.
2 = آية براءة {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} [2] .
3 = آية الفتح {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [3] .
4 = أما آية النور ففيها خلاف، هل هي خاصة بالجهاد أم بالمطاعم؟. وهي قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَاكُلُوا} [4] .
وقد ذكر ابن قدامة الحنبلي أصحاب الأعذار أثناء كلامه عن شروط وجوب الجهاد، فقال: [وأما السلامة من الضرر فمعناه السلامة من العمى والعرج والمرض وهو شرط لقول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد، وأما العمي فهو معروف، وأما العرج فالمانع منه هو الفحش الذي يمنع المشي الجيد والركوب كالزَّمانة ونحوها، وأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي وإنما يتعذر عليه شدة العَدْو فلا يَمْنَع وجوب الجهاد لأنه مُمْكن منه فشابَهَ الأعور، وكذلك المرض المانع هو الشديد فأما اليسير منه الذي لا يمنع إمكان الجهاد كوجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع الوجوب لأنه لا يتعذر معه الجهاد فهو كالعور، وأما وجود النفقة فيشترط لقول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [5] ، ولأن الجهاد لا يمكن إلا بآلة فيعتبر القدرة عليها، فإن كان الجهاد على مسافةٍ لا تُقْصَر فيها الصلاة اشترط أن يكون واجدًا للزاد ونفقة عائلته في مدة غيبته وسلاح يُقَاتِل به ولا تُعْتَبَر الراحلة لأنه سفر قريب، وإن كانت المسافة تقصر فيها الصلاة اعتبر مع ذلك الراحلة لقول الله تعالى: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} [6] ] [7] .
قلت: ويلحق بما ذكره ابن قدامة الشيخ الهرم الذي لا قوة فيه، لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ} [8] ، فهو من الضعفاء.
الأعذار غير الشرعية.
قَلَّما يتعذر المتخلفون عن الجهاد بأحد الأعذار الشرعية السابقة، بل جُلّ أعذارهم غير شرعية ردها عليهم وأبطلها. ومنها:
1 = ما ذكره الله عز وجل في آية التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [9] ، وهذه الآية يسميها بعض العلماء آية الأعذار الثمانية، وأُسَمِّيها آية إبطال الأعذار الثمانية، فلم يقبل الله تعالى هذه الأعذار للقعود عن الجهاد.، وسمى الله تعالى المعتذر بهذه الأعذار فاسقا، وتَوَعَّده سبحانه وتعالى بالضلال في قوله: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين} كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [10] ، وتَوَعَّده سبحانه بالعذاب والنكال في قوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [11] ، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» [12] . وهذه العقوبات قدرية لابد أن تحمل بكل متخلف عن الجهاد. وكل من آثر شيئا على طاعة الله عز وجل عذَّبه الله به، كما قال تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
(1) - النساء، الآية: 95
(2) - سورة التوبة، الآية: 91 ـ 92
(3) - الفتح، الآية: 17
(4) - النور، الآية:61
(5) - سورة التوبة، الآية: 91
(6) - سورة التوبة، الآية: 92
(7) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 367
(8) - سورة التوبة، الآية: 91
(9) - سورة التوبة، الآية: 24
(10) - الصف، الآية: 5
(11) - سورة التوبة، الآية: 24
(12) - رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر، وصححه الألباني