فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 403

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [1] ، فليس حب البقاء في الأهل بعذر، ولا الخوف على الأموال والتجارة، ولا الوظيفة والدراسة، قد أبطل الله سبحانه هذه الأعذار. فالواجب أن يتكافل المسلمون فيما بينهم، فمن خرج منهم إلى الجهاد والتدريب وَجَبَ على الباقين كفالة أهله ورعايتهم، وهكذا يتناوبون الأمر بينهم، كما قال أبو سعيد الخدري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إلى بني لَحْيان فقال: «لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا» [2] ، وفي رواية «لِيَخْرُج مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ» ثم قال للقاعد: «أيكم خَلَفَ الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج» .

2 = ومن الأعذار الباطلة ما ذكره الله عز وجل في قوله تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [3] . فلا الحر الشديد بعذر ولا البرد الشديد.

3 = ومن الأعذار الباطلة، القول بأن القائمين على أمر الجهاد ليسوا على المستوى الخلقي والتربوي والشرعي المطلوب، وبالتالي لا يجوز العمل معهم!، وهذه شبهة وجوابها أنه لو أن أمير الجهاد رجل فاجر وكذلك كثير من أتباعه، لكنهم يسعون لقتال الكافرين، فالواجب شرعا العمل معهم ومعاونتهم، وهذا أصل مقرر عند أهل السنة والجماعة، وسأشير إليه بالتفصيل في الباب الثالث، وأذكر هنا بعض ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المسألة قال: [ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لاخلاق لهم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فأنه لابد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه] [4] .

وقد كان المنافقون يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل أحد لا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم طالما خرج المنافقون، ومنهم الذي قال في غزوة بني المصطلق {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} [5] ، ومنهم الذين قالوا في غزوة الخندق {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} [6] ، ومنهم الذين سخروا من علماء الصحابة في غزوة تبوك فأنزل الله فيهم {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [7] . وكان خلفاء بني أمية يؤخرون الصلوات وما قال أحد لا يجوز الغزو معهم [8] ،والأمثلة كثيرة. فهذه بعض الأعذار الباطلة التي لا تبيح التخلف عن الجهاد والتدرب له.

ثواب أصحاب الأعذار الشرعية.

من كان ذا رغبة صادقة في التدرب والجهاد، وعجز عن الوصول إلى ساحات الجهاد بسبب أحد الأعذار الشرعية المذكورة سابقا، أو بسبب إكراه أو حبس، فإني أرجو أن يكتب الله له أجر الجهاد كاملا، على مقتضى الوعد الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا وَلا سِرْتُمْ سيْرًا إِلاَّ وَهُمْ مَعَكُمْ قَالُوا: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ نَعَم حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» [9] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث في مرجعه من غزوة تبوك، ورواه أحمد ومسلم عن جابر مرفوعا بلفظ «لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالْمَدِينَةِ رِجَالا مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا وَلا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا إِلاَّ شَرَكُوكُمْ فِي الأَجْرِ حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» ورواه أبو داود عن أنس وزاد فيه «وَلا أَنْفَقْتُمْ نَفَقَةٍ» قال ابن حجر: [والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض وعدم القدرة على السفر، وقد رواه مسلم من حديث جابر بلفظ «حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» وكأنه محمول على الأغلب ـ إلى قوله ـ وفيه أن المرء يبلغ بنيته أجر العامل إذا منعه العذر عن العمل] [10] . وهذا الحديث يشبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» [11] . فكلاهما صدق في الطلب وعجز عن العمل فنال الأجر، فضلا من الله وكرما.

وقال القرطبي في شرح حديث «حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» : [فهذا يقتضي أن صاحب العذر يعطي أجر الغازي، فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساويا، وفي فضل الله متسع، وثوابه فضل الاستحقاق فيثيب على النية الصادقة مالا يثيب على الفعل. وقيل: يعطي أجره من غير تضعيف فيفضله الغازي بالتضعيف للمباشرة] أهـ. [12]

قلت: تضعيف الأجر للغازي وعدم التضعيف للمعذور قد يستدل له بحديث ابن عباس مرفوعا «فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» [13] . وأما من ذهب إلى أجر المعذور مثل أجر الغازي تماما فيستدل له بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس «إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» وإن كانت المشاركة لا تقتضي المساواة، أما ما يدل على المساواة في الأجر فهو حديث أبي كبشة الأنماري مرفوعا «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي

(1) - سورة التوبة، الآية: 55

(2) - رواه مسلم

(3) - سورة التوبة، الآية: 81

(4) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 506 ـ 507

(5) - المنافقون، الآية: 8

(6) - الأحزاب، الآية: 13

(7) - سورة التوبة، الآية: 65

(8) - (انظر كتاب مواقيت الصلاة بالبخاري حديث: 521، 530، 549 وشروحها)

(9) - متفق عليه عن أنس

(10) - فتح الباري ج 6 ص 47

(11) - رواه مسلم عن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ

(12) - (تفسير القرطبي) آية النساء 95 ج 5 ص 342

(13) - الحديث متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت