أعزله عن عجز ولا خيانة) فتبين أنه ما عزله إلا لِدَرْءِ الفتنة لَمَّا اشتكاه أهل الكوفة. ومن أمثلة ذلك أيضا عزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد من إمارة الجيوش خشية أن يُفْتَن الناس به وينسبوا الظفر إليه قال ابن كثير: [كتب عمر إلى أهل الأمصار: إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فُتِنُوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع] [1] .
فهذه هي أهم الأسباب التي تُجَوِّز تولية المفضول بلا خلاف بين العلماء. ولكن إذا لم تكن هذه الأعذار قائمة فهل يجوز تولية المفضول؟ فيها خلاف:
فقال الجويني: [إلاَّ أَنَّا نقطع بتحريم تقديم المفضول مع التمكن من تقديم الفاضل] [2] . إلا أن الماوردي قال: [وقال الأكثر من الفقهاء والمتكلمين تجوز إمامته وصحت بيعته ولا يكون وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة، كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الفاضل، أن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط الاستحقاق] [3] . قلت: وما قاله الماوردي من أن أكثر الفقهاء على جواز وصحة ولاية المفضول ما لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة، ذكره ابن حجر عند كلامه عن تنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية قال: [وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل، لأن الحسن ومعاوية وَلِيَ كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان قاله ابن التين] [4] ، وسعد وسعيد كلاهما من العشرة المبشرين بالجنة.
فهذا ما تيسر في مسألة تولية المفضول والغرض من ذكرها هو:
أ - رفع الحرج عن الأمير: فقد يتحرج من تولية المفضول الأصلح للعمل على الأفضل دينا وورعا. فبَيَّنَا له جواز ذلك، بل قد يجب عليه ذلك.
ب - دفع الشحناء بين الإخوة: حتى لا يقول الفاضل لماذا اختار الأمير فلانا المفضول وتركني وأنا خير منه؟ فيعلم أن هذا هو حكم الشريعة. وقال الله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى} [5] . وينبغي للفاضل أن يتقي الله ويطيع المفضول طالما كان المفضول أكفأ لمصالح هذه الولاية، وثم اختياره بواسطة الأمير.
وذلك لحديث أبي موسى الأشعري قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمى، فقال أحدهما يا رسول الله أَمِّرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا
(1) - (البداية والنهاية) ج 7 ص 81
(2) - (الغياثي) ص 169
(3) - (الأحكام السلطانية) ص 8
(4) - (فتح الباري) ج 13 ص 67
(5) - سورة النجم، الآية: 32