يسأله أو أحدا حرص عليه» [1] . وورد هذا الحديث عند الإمام أحمد وفيه: «إن أَخْوَنَكم عندنا من يطلبه، فلم يَسْتَعِن بهما في شيء حتى مات صلى الله عليه وسلم» . فدلت رواية أحمد هذه على أن الحكمة في منع تولية الحريص أنه متهما بالغرض الدنيوي من طَلَب العُلُوّ والمال بهذه الولاية، وأهم من ذلك أنه يكون محروما من التوفيق والإعانة الإلهية لحديث عبد الرحمن بن سَمُرَة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعْطِيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها» [2] . ومعنى «وكلت إليها» أي حرمت من العناية الإلهية وهذا هو الخسران له ولمن تأمر عليهم، فإن من دعاء المؤمن (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين) ، ومعنى «أُعِنت عليها» ورد تفسير ذلك في حديث أنس مرفوعا «من سأل القضاء وُكِلَ إلى نفسه، ومن جُبِرَ عليه، ينزل عليه ملكا يسدده» [3] .
والحرص على الرياسة والولاية هو شأن معظم الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة» [4] .
قال ابن حجر: [قال المهلب: الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سُفِكَت الدماء واستُبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض بذلك، ووجه الندم ـ أي في حديث «وستكون ندامة» ـ أنه قد يُقتل أو يُعزل أو يموت فيندم على الدخول فيها لأنه يُطالب بالتبعات التي ارتكبها وقد فاته ما حرص عليه بمفارقته، قال: ويستثنى من ذلك من تَعَيَّن عليه كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال ـ ثم قال ابن حجر ـ إن من قام بالمر عند خشية الضياع يكون كمن أُعْطِيَ بغير سؤال لفقد الحرص غالبا عمن هذا شأنه، وقد يغتفر الحرص في حق من تعين عليه لكونه يصير واجبا عليه] [5] .
تنبيه:
قد يُعْتَرض على أحاديث النهي عن طلب الإمارة بقول يوسف عليه السلام {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [6] ، والجواب من عدة أوجه:
1 = الخصوصية: أن طلب الولاية خاص بالأنبياء لأمنهم من الزلل، للعصمة وهذا ينتفي في حق غيرهم، ومثل طلب يوسف - عليه السلام - دعاء سليمان - عليه السلام - {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [7] .
(1) - متفق عليه
(2) - متفق عليه.
(3) - رواه الخمسة إلا النسائي
(4) - رواه البخاري عن أبي هريرة
(5) - (فتح الباري) ج 13 ص 126
(6) - سورة يوسف، الآية: 55
(7) - سورة ص، الآية: 35