فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 403

كذلك فإن يزيد بن معاوية استخلف فيها. ـ إلى أن قال ابن حجر ـ وأن أولهم يزيد كما دل عليه قول أبي هريرة رأس الستين وإمارة الصبيان فإن يزيد كان غالبا ينتزع الشيوخ من إمارة البلدان الكبار ويوليها الأصاغر من أقاربه] [1] .

قلت: وفي هذا الحديث التحذير من تأمير صغار السن، وإيراد البخاري لهذا الحديث في كتاب الفتن يشير إلى أن من أسباب الفتن تأمير الصغار لما فيهم من الطيش والتهور وفقدان الرَّوِية والحنكة والتجربة والنظر في العواقب. وفي الحديث إشارة إلى تولية الكبار والشيوخ ما لم تستوجب المصلحة الشرعية تولية الأصغر كما سبق تفصيله.

ثامنا: وعلى الأمير محاسبة عماله الذين يوليهم على الأعمال المختلفة. ودليل ذلك:

عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ ابْنَ الْلَّتَبِيَّة عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَاسَبَهُ قَالَ هَذَا الَّذِي لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَهَلاَّ جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَبَيْتِ أُمِّكَ حَتَّى تَاتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا؟» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَخَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلاَّنِي اللَّهُ فَيَاتِي أَحَدُكُمْ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى تَاتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَوَاللَّهِ لا يَاخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ هِشَامٌ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلاَّ جَاءَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا فَلأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَعِيرٍ لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةٍ تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟» [2] ، وقوله «بغير حق» رجح ابن حجر كونها مُدْرَجَة من كلام هشام. وفي الحديث أن على الإمام محاسبة عماله وتبيين أخطائهم لتحذر، وجواز إشهار هذا في الناس لئلا يقلده غيره، وفيه أيضا كما قال ابن حجر: [جواز توبيخ المخطئ واستعمال المفضول في الإمارة والإمامة والأمانة مع وجود من هو أفضل منه] [3] . وقوله «استعمال المفضول» إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللتبية ولم يكن من الصحابة المشهورين ومع وجود أكابر الصحابة.

ويراجع كذلك محاسبة عمر - رضي الله عنه - لعماله ومواقفه مع خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وأبي هريرة وغيرهم، حيث عزل بعضهم وشاطر آخرين أموالهم وعَنَّف آخرين، رضي الله عنهم أجمعين. وهذا آخر ما نذكره في الواجب الرابع من واجبات الأمير.

(1) - (فتح الباري) ج 13 ص 9 ـ 10

(2) - رواه البخاري في باب (محاسبة الإمام عماله) في كتاب الأحكام من صحيحه، ورواه مسلم. وهشام هو ابن عروة أحد رجال السند.

(3) - (فتح الباري) ج 13 ص 167

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت