4 = وفي الحديث القَسَامة في مقتل عبد الله بن سهل بخيبر، ذهب صاحبُه مُحَيْصَة وأخوه الأكبر حُوَيْصَة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد مُحَيْصَة أن يتكلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كَبِّرْ كَبِّرْ، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ» [1] .
5 = وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» [2] .
قلت: أردت من هذه النصوص بيان مراعاة السن في الولايات، ومحل ذلك ما إذا تساوى رجلان في الكفاءة للقيام بعمل من الأعمال، فالأولى تقديم أكبرهما، كما في حديث مالك بن حويرث مرفوعا «وليؤمكما أكبركما» [3] ، حيث كانا في القراءة والفضل سواء، ما لم تكن هناك مصلحة شرعية في تقديم الأصغر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بعث أسامة إلى الروم، حيث أمَّر أسامة بن زيد عَلَى مَنْ هم أكبر منه سِنًّا وفضلا من أكابر الصحابة.
وحديث أبي مسعود البدري هو في إمامة الصلاة خاصة، ليس في الولايات العامة التي يراعى فيها الخبرة والكفاءة قبل الفضل في الدين، كما سبق في (جواز ولاية المفضول) ، وإنما أوردته هذا لبيان أنه إذا تساوى رجلان في استحقاق ولاية يقدم أكبرهما سنا، فهذا أمكن لنفوس أتباعه وفيه تواب الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أورد البخاري رحمه الله في كتاب الفتن من صحيحه حديثا يشير إلى هذا المعنى، فقال: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء) ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ قَالَ أَخْبَرَنِي جَدِّي قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا مَرْوَانُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ مَرْوَانُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غِلْمَةً فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِي فُلانٍ وَبَنِي فُلانٍ لَفَعَلْتُ فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي إِلَى بَنِي مَرْوَانَ حِينَ مُلِّكُوا بِالشَّامِ فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا قَالَ لَنَا عَسَى هَؤُلاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ قُلْنَا أَنْتَ أَعْلَمُ». قال ابن حجر في شرحه: [قال ابن الأثير المراد بالأغيلمة هنا الصبيان ولذلك صَغَّرهم. قلت: وقد يطلق الصبي والغُليم بالتصغير على الضعيف العقل والتدبير والدين ولو محتلما وهو المراد هنا، فإن الخلفاء من بني أمية لم يكن فيهم من استُخلِف وهو دون البلوغ وكذلك من أمروه على الأعمال، إلا أن يكون المراد بالأغيلمة أولاد بعض من استخلف فوقع الفساد بسببهم فنُسِب إليهم، والأولى الحمل على أعم من ذلك ـ ثم قال ابن حجر ـ وفي رواية ابن أبي شيبة «أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الصبيان» وفي هذا إشارة إلى أن أول الأغيلمة كان في سنة الستين وهو
(1) - رواه البخاري في الديات (6898) والأحكام (7192) وهذا لفظه، ورواه في الأدب (باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال) ، وراه كذلك في الأدب المفرد.
(2) - قال النووي: حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي رواية أبي داود (حق كبيرنا) .
(3) - رواه البخاري