فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 403

2 = روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» ـ قِيلَ وَكَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ» . فدل هذا الحديث، والآية قبله، على أن الولايات أمانات يجب أن توكل إلى أهلها.

3 = وقال تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [1] . وهذه الآية ترشد إلى أهم صفات الولاة وهي القوة على العمل الموكل إليه، والأمانة في أداء هذا العمل كاملا غير منقوص. قال ابن تيمية: [فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة للآية السابقة] [2] . والقوة تختلف بحسب نوع الولاية، ففي الحرب هي الشجاعة والخبرة والخِداع وفي القضاء هي العلم والعدل. أما الأمانة فهي خشية الله وأداء حقوق الناس. ومع ذلك فقد قال ابن تيمية رحمه الله: [اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: اللهم أشكو إليك جَلَد الكافر، وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها] [3] .

(فصل) وإذا لم تكتمل الكفاءة المطلوبة لعمل ما في أحد الموجودين، يختار الأمير أصلحهم لهذا العمل. قال ابن تيمية رحمه الله: [ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكتمل للناس ما لابد لهم منه من أمور الولايات والإمارات ونحوها] [4] .

قلت: ودليل القول السابق واضح، وهو قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [5] . وقول ابن تيمية: [فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الحال ... ] هذا من باب وجوب القيام بفروض الكفاية التي لابد منها للأمة.

قلت: والمسلمون اليوم بعيدون عن ممارسة القيادة والعمل الجماعي على أسس شرعية صحيحة، وذلك لذهاب دولة الإسلام والقعود عن أداء فريضة الجهاد، فلتكن ميادين التدريب والجهاد المتاحة اليوم ساحة لممارسة القيادة والعمل الجماعي عمليا، والممارسة تُكْسِب الخبرة وتُبَيِّن نواحي القصور، وهذه تُسد وتُستكمل أولا بأول، حتى يصل المسلمون بذاك إلى أرقى درجات الكفاية والأداء في هذا المجال، وهذا واجب. وإذا حدثت أخطاء وظهر قصور أثناء الممارسة فلا ينبغي أن يكون هذا مثبطا عن الاستمرار، فإنه قد رُوِيَ «لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة» ، بل ينبغي أن يكون هذا حافزا على السعي في إصلاح الأحوال، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فسددوا وقاربوا

(1) - القصص، الآية: 26

(2) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 253

(3) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 254

(4) - (مجموع الفتاوى) ج 28 ص 259

(5) متفق عليه عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت