ثالثا: علماء السلف الذين أفردوا السياسة الشرعية بالتصنيف لم يتكلم أحد منهم عن كون الشورى ملزمة للإمام، نعم منهم من تكلم عن مشروعية الشورى ورأي الجمهور أنها مندوبة مستحبة، أما إلزام الشورى فلم يبحثوه.
فالإمام الماوردي كان إمام الشافعية في عصره وتولى منصب قاضي القضاة، وكذلك القاضي أبو يعلى إمام الحنابلة في زمانه، كلاهما عاش في القرن الخامس الهجري أي كان عمر دولة الإسلام ما يزيد عن أربعة قرون، وكلاهما صنف كتابا في الأحكام السلطانية، ولم يتكلما عن الشورى كواجب على الإمام أو عن كونها ملزمة له، وإنما ذكراها فيما يلزم أمير الجيش من سياسة الجند [1] . بل قد قال الماوردي ما يدل على أن الشورى مستحبة غير واجبة للإمام، فقال: [فإذا أراد الإمام أن يعهد بها ـ أي بالإمامة من بعده ـ فعليه أن يجهد رأيه في الأحق بها والأقوم بشروطها، فإذا تعين له الاجتهاد في واحد نظر فيه، فإن لم يكن ولدا ولا والدا جاز له أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه وغن لم يستشر فيه أحدًا من أهل الإختيار] [2] .
وإما الحرمين الجويني كان معاصرا لهما وصنف كتابا على نمط آخر في السياسة الشرعية وهو (الغِياثي أو غِيَاث الأمم في التياث الظلم) ، وقد هاجم في كتابه هذا الماوردي هجوما شديدا [3] ، ورغم تتبعه لأخطاء الماوردي كتجويزه تولية الذمي وزارة التنفيذ، إلا أن الجويني لم يستدرك على الماوردي عدم بحثه لمسألة الشورى في حق الإمام، والجويني نفسه لن يوجب الشورى على الإمام ولا ألزمه بالعمل بمقتضاها، كما يتضح من كلامه التالي: قال[وقد نَدَبَ الله رسوله عليه السلام إلى الإستشارة فقال {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} !! ولا منافاة بين بلوغ الرتبة العليا في العلوم وبين التناظر والتشاور في المعضلات.
ونحن نرى للإمام المستجمع خلال الكمال، البالغ مبلغ الاستقلال ألا يغقل الاستضاءة في الإبالة وأحكام الشرع بعقول الرجال فإن صاحب الاستبداد لا يأمن الحَيْدَ عن سَنَن السداد، ومن وُفِّق للإستعداد من علوم العلماء، كان حريا بالاستداد، ولزوم طريق الاقتصاد.
وسر الإمامة استتباع الآراء، وجمعها على رأي صائب ومن ضرورة ذلك استقلال الإمام، ثم هو محثوث على استفادة مزايا القرائح، وتلقي الفوائد والزوائد منها، فإن في كل عقل مزية، ولكن اختلاف الآراء مفسدة لإمضاء الأمور، فإذا بحث عن الآراء إمام مجتهد، وعرضها على علمه الغزير، ونَقَدَها بالسبر والفكر الأصوب من وجوه الرأي كان جالبا إلى المسلمين ثمرات العقول، ودافعا عنهم غائلة التباين والاختلاف فكأن المسلمين يتحدون بنظر الإمام وحسن تدبيره، وفحصه وتنقيره، ولابد على كل حال من كون الإمام متبوعا غير تابع ولو لم يكن في دين الله، للزمه تقليد العلماء واتباعهم، وارتقاب أمرهم، ونهيهم وإثباتهم، ونفيهم وهذا يناقض منصب الإمامة، ومرتبة الزعامة] [4] .
(1) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 43، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 45
(2) - ص 10
(3) - الفقرات 232 ـ 303 ـ 432 طبعة 2 تحقيق دـ عبد العظيم الديب
(4) - ص 86 ـ 88