يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار» [1] . ومع ذلك ـ أي مع فساد نية هذا ـ قد يحدث على يديه إعلاء كلمة الله ضمنا، وهذا هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» [2] .وفي رواية: «وَبِأَقْوامٍ لاَ خَلاَقَ لَهُم» [3] .
الثانية: رجل خرج للغزو وقصده إعلاء كلمة الله، وقصده أيضا حظ نفسه من مال أو سمعة أو رياسة، فهذا لا أجر له، لما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي أمامة بإسناد جيد، قال: «جاء رجل فقال: يا رسول الله، أَرَأَيْتَ رَجُلا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا شَيْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» .
الثالثة: رجل خرج للغزو وقصده إعلاء كلمة الله، لا قصد له غير هذا، ثم حصل له شيء من المغنم ضِمْنًا لا قصدا، فهذا له أجر الجهاد في سبيل الله، ولكن نقص أجره بسبب ما ناله من غنيمة بخلاف الحال الرابع. وهذا الحال الثالث هو موضع السؤال، فكل نفع دنيوي يُنْقِصُ الأجر.
الرابعة: رجل خرج للغزو، وقصده إعلاء كلمة الله، لا قصد له غير هذا، ولم يحصل له شيء من حظوظ الدنيا، فهذا له الأجر كاملا، وهؤلاء درجات، أدناهم من رجع من الغزو سالما بلا غنيمة وأعلاهم من أهريق دمُه وعُقِرَ فرسُه وذَهَبَ مالُه في سبيل الله، وبينهما المصاب والشهيد.
ودليل الحالتين الثالثة والرابعة، هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» [4] . وله في رواية أخرى: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلا تَمَّ أُجُورُهُمْ» ؛ والإخفاق هو أن يغزو فلا يغنموا شيئا.
فهذا نص واضح صريح في أن من غزا ونيته صالحة (في سيبل الله) إن رجع بشيء من الغنيمة نقص ذلك ثلثي أجره الأخروي (وهي الحالة الثالثة التي ذكرتها، وهي موضع السؤال وإن لم يرجع بشيء تم له أجره في الآخرة(وهي الحالة الرابعة) .
وقد أورد البخاري رحمه الله هذه المسألة في كتاب فرض الخمس من صحيحه في باب (من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره؟) هكذا معلقا الحكم ولم يجزم فيه بشيء. وأورد فيه حديث أبي موسى الأشعري «من قاتل لتكون كلمة
الله هي العليا». وفَصَّل ابن حجر الأحوال المختلفة ولم يجزم في الحكم [5] ، بخلاف النووي الذي جزم في الحكم في هذه المسألة فقال في شرح حديث عبد الله بن عمر السابق «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو ... » قال النووي: [فالصواب الذي لا
(1) - رواه مسلم
(2) - رواه البخاري
(3) - رواه أحمد والطبراني عن أبي بكرة
(4) - رواه مسلم
(5) - فتح الباري ج 6 ص 28، 29، 226