فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 403

وقول ابن قدامة الحنبلي مشعر بهذا قال: [مسألة"وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا المقل منهم والمكثر، ولا يخرجوا إلى العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يَفْجَأهُم عدو غالب كَلَبَه فلا يمكنهم أن يستأذنوه"قوله المقل منهم والمكثر: يعني به والله أعلم الغني والفقير، أي المقل من المال ومكثر منه، ومعناه أن النفير يعم جميع الناس ممن كان من أهل القتال حين الحاجة إلى نفيرهم لمجيء العدو إليهم ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يُحتاج إلى تخلفه لحفظ المكان والأهل والمال .... ] [1] . فقول ابن قدامة (لحفظ المكان والأهل) مشعر بأنه ليس على النساء خروج إذا دهم العدو البلدة.

وكذلك قال ابن تيمية: [ونظيرها: أن يهجم العدو على بلاد المسلمين، وتكون المُقَاتِلة أقل من النصف، فإن انصرفوا استولوا على الحريم. فهذا وأمثاله قتال دفع، لا قتال طالب، لا يجوز الانصراف فيه بحال. ووقعة أحد من هذا الباب[2] ، وقوله أقل من النصف أي جند المسلمين أقل من جند العدو، وقوله (فإن انصرفوا استولوا على الحريم) يدل على أنه لا يرى خروج النساء للقتال في هذا الموضع من مواضع الجهاد العيني.

وبهذا أقول بأن الجهاد لا يجب على المرأة في كل مواضع الجهاد العيني، وقد يجب في حالة واحدة وهي إذا ما داهم العدو بلدا وخلص إلى البيوت والنساء، فللمرأة أن تقاتله دفاعا عن نفسها وعمن معها. وقد روى مسلم عن آنس قال: «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا هَذَا الْخِنْجَرُ قَالَتِ اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَضْحَكُ» الحديث. ومن هذا الباب أيضا ما فعلته صفية بنت عبد المطلب في غزوة الخندق، كما ورد في السيرة ـ إن صحت الرواية ـ [3] .

ومع القول بعدم وجوب الجهاد على المرأة إلا في حالة معينة، إلا أنه يجوز لها أن تخرج متطوعة في الغزو بإذن الأمير، فقد روى مسلم عن آنس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سُليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيَسْقين الماء ويداوين الجرحى) وروى مسلم عن مثله عن ابن عباس، وقيد الفقهاء بالمرأة الكبيرة ومنعوا الشابة والجميلة، قال ابن قدامة: [قال الخرقي: ولا يدخل مع المسلمين من النساء إلى أرض العدو إلا الطاعنة في السن، لسَقْي الماء ومعالجة الجرحى، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم] [4] .

والخلاصة: أنه إذا وجب الجهاد على المرأة في حالة معينة، فقد وجب الاستعداد لذلك بالتدرب على استعمال السلاح، ويكتفي في هذا بأنواع السلاح المستخدم في حماية النفس، ويدربها زوجها أو محارمها أو امرأة مدربة. صحيح لم ينقل إلينا نص في ذلك، ولكنا نستنبطه من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لأم سليم باستخدام الخنجر في قتال العدو،

(1) - المغني والشرح الكبير ج 10 ص 389

(2) - الاختيارات الفقية ط دار المعرفة ص 311

(3) - سيرة ابن هشام ج 2 ص 711 ط صبيح 1391هـ

(4) - (المغني والشرح الكبير) ج 10 ص 391

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت